تُعرب المنظمة الدولية لرصد الجرائم ضد الإنسانية عن بالغ القلق والإدانة إزاء جريمة اختطاف وقتل الشاب الكردي سيبان حزني، المقاتل السابق في صفوف قوات سوريا الديمقراطية، والذي أصبح، في إطار ترتيبات الاندماج وإعادة هيكلة القوات، ضمن المؤسسة العسكرية التابعة لوزارة الدفاع السورية.
وبحسب المعلومات المتداولة بشأن الحادث، فقد تعرض سيبان حزني للاختطاف في منطقة دير الزور، قبل أن يُعثر عليه مقتولًا في ريف الحسكة في ظروف وُصفت بالوحشية، وسط اتهامات متداولة بشأن تورط مجموعات عشائرية في اختطافه وقتله.
وتؤكد المنظمة أن خطورة هذه الجريمة لا تكمن في إزهاق حياة شاب كردي فحسب، وإنما في طبيعة الجريمة وملابساتها، والجهات التي يُشتبه في تورطها، والظروف الأمنية والسياسية المحيطة بها، فضلًا عن الوضع القانوني والعسكري للضحية بعد دخوله في مسار الاندماج ضمن مؤسسة رسمية تابعة للدولة السورية.
وعليه، فإن القضية لم تعد مجرد حادث جنائي محلي يمكن احتواؤه بتسوية عشائرية أو معالجة أمنية محدودة، وإنما أصبحت اختبارًا حقيقيًا لسيادة القانون، ولمسؤولية الدولة عن حماية الأفراد المنضوين في مؤسساتها، ولمدى جدية عملية الاندماج العسكري، وقدرة السلطات السورية على منع الإفلات من العقاب.
أولًا: الوقائع ومقتضيات التحقيق
إن المعطيات المتداولة بشأن اختطاف سيبان حزني من دير الزور واقتياده ثم العثور عليه مقتولًا في ريف الحسكة تستوجب فتح تحقيق رسمي وفوري ومستقل ونزيه، لا يقتصر على تحديد منفذي الجريمة المباشرين، وإنما يكشف كامل التسلسل الزمني والميداني للحادثة، منذ لحظة الاختطاف وحتى العثور على جثمان الضحية.
ويجب أن يشمل التحقيق تحديد هوية جميع الأشخاص الذين شاركوا في الاختطاف أو الاحتجاز أو النقل أو القتل، والكشف عن دوافع الجريمة، وتحديد ما إذا كانت هناك جهات أخرى خططت للجريمة أو حرضت عليها أو سهلت ارتكابها أو تسترت على مرتكبيها.
وتشدد المنظمة على أن الطبيعة العشائرية أو المحلية للمنطقة لا يمكن أن تكون بأي حال من الأحوال ذريعة لتعطيل العدالة أو إغلاق ملف الجريمة.
كما نرفض بصورة قاطعة تحويل جرائم القتل والاختطاف إلى ملفات قابلة للمساومة خارج المؤسسات القضائية، أو اللجوء إلى تسويات عشائرية تطمس الحقيقة وتحرم أسرة الضحية من حقها المشروع في معرفة ما حدث ومحاسبة المسؤولين عنه.
إن الانتماء العشائري أو السياسي أو العسكري لأي متهم لا يمنحه حصانة من المساءلة، ولا يجوز أن تتحول القوة الاجتماعية أو السلاح أو النفوذ المحلي إلى أدوات لتعطيل القانون.
ثانيًا: التوصيف القانوني للجريمة
إذا ثبتت وقائع الاختطاف والاحتجاز والقتل من خلال تحقيقات رسمية ومستقلة وموثوقة، فإن الأفعال المرتكبة قد تشكل مجموعة من الجرائم والانتهاكات الخطيرة، بما في ذلك الحرمان التعسفي من الحرية، والاختطاف، والاحتجاز غير القانوني، والقتل العمد، والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية، وأي أفعال أخرى يكشف عنها التحقيق.
وفي حال ثبوت تعرض الضحية للتعذيب أو المعاملة الوحشية قبل مقتله، فإن ذلك يضيف إلى خطورة الجريمة ويستوجب التعامل معها باعتبارها انتهاكًا جسيمًا للحق في الحياة والسلامة الجسدية والكرامة الإنسانية.
وتؤكد المنظمة أن الفوضى الأمنية، وتعدد القوى المسلحة، وغياب الاستقرار، لا تلغي القانون ولا تعلق الحق في الحياة.
فلا توجد حالة أمنية تبرر اختطاف إنسان واحتجازه خارج القانون، ولا توجد صفة عشائرية أو سياسية أو عسكرية تمنح أي طرف حق محاكمة الأشخاص أو تعذيبهم أو قتلهم خارج المؤسسات القضائية المختصة.
السلاح لا يصنع قانونًا، والانتماء لا يصنع حصانة، والفوضى لا تمنح أحدًا حق الحياة والموت.
ثالثًا: مسؤولية الدولة السورية عن الحماية بعد الاندماج
تكتسب قضية سيبان حزني أهمية استثنائية بالنظر إلى وضعه بعد عملية الاندماج.
فإذا ثبت رسميًا أنه أصبح ضمن المؤسسة العسكرية التابعة لوزارة الدفاع السورية، فإن الدولة السورية لا تستطيع التعامل مع مقتله باعتباره شأنًا يخص مرحلة عسكرية سابقة أو نزاعًا محليًا لا علاقة لمؤسساتها به.
فالاندماج العسكري ليس مجرد تغيير في الزي أو الهيكل الإداري أو التبعية التنظيمية، وإنما يفترض انتقال الفرد إلى إطار مؤسسي توفر فيه الدولة الحماية القانونية والأمنية اللازمة.
ومن هنا، تطالب المنظمة حكومة دمشق ووزارة الدفاع السورية بتقديم توضيح رسمي وشفاف بشأن الوضع العسكري والقانوني لسيبان حزني، وتحديد المسؤوليات المترتبة على المؤسسات العسكرية والأمنية المعنية بحمايته، والكشف عن جميع ملابسات اختطافه وانتقاله بين المناطق وصولًا إلى مقتله.
إن الدولة التي تطلب من المقاتلين الاندماج في مؤسساتها تتحمل، في المقابل، مسؤولية حماية هؤلاء الأفراد وضمان خضوعهم للقانون وحمايتهم من الانتقام والاستهداف.
ولا يمكن أن يكون الاندماج طريقًا لنزع السلاح من طرف، ثم ترك أفراده مكشوفين أمام الاعتداءات والاختطاف والقتل.
فالاندماج الذي لا يوفر الحماية ليس اندماجًا مكتملًا، والدولة التي تطلب الولاء المؤسسي مطالبة بتوفير الحماية المؤسسية.
رابعًا: مسؤولية القوى والأحزاب الكردية
إن مقتل سيبان حزني يضع الأحزاب والقوى السياسية الكردية أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية وتاريخية لا يمكن تجاهلها.
فالمقاتلون الكرد الذين شاركوا في مواجهة تنظيم داعش، ودفعوا أثمانًا بشرية كبيرة، لا يجوز أن يتحولوا بعد انتهاء المعارك أو انتقالهم إلى المؤسسات الرسمية إلى أهداف سهلة للانتقام أو التصفية أو الاعتداء.
وتدعو المنظمة القوى السياسية الكردية إلى التعامل مع قضية سيبان حزني باعتبارها قضية حق في الحياة وحق في العدالة وحماية للإنسان الكردي، بعيدًا عن الحسابات الحزبية الضيقة أو الخلافات السياسية.
ولا يكفي في مثل هذه الحالات إصدار بيانات النعي أو التعازي؛ فالمطلوب هو تحرك سياسي وقانوني واضح ومباشر لدى حكومة دمشق، والمطالبة بتحقيق مستقل وشفاف، وكشف الحقيقة كاملة، وضمان محاسبة كل من يثبت تورطه في الجريمة.
كما تحذر المنظمة من خطورة أي تسوية سياسية أو عشائرية يمكن أن تؤدي إلى طمس الحقيقة أو حماية الجناة أو إغلاق الملف بعيدًا عن القضاء.
فالصمت أمام الجريمة لا يصنع استقرارًا، والتسويات التي تمنح القاتل فرصة للإفلات من العقاب لا تنهي الجريمة، وإنما تؤسس لجريمة جديدة.
خامسًا: حماية المقاتلين الكرد ومنع الإفلات من العقاب
تكشف قضية سيبان حزني عن سؤال أكبر يتجاوز شخص الضحية:
ما مصير المقاتلين الكرد الذين دخلوا في ترتيبات الاندماج العسكري؟
وما الضمانات القانونية والأمنية التي تحميهم من الاعتداء والانتقام؟
إن الانتقال من قوة عسكرية إلى مؤسسة تابعة للدولة يجب أن يعني انتقال المقاتل من حالة القوة المسلحة إلى حالة الحماية القانونية والمؤسسية.
وأي إخفاق في توفير هذه الحماية يهدد الثقة بعملية الاندماج برمتها، ويبعث برسالة بالغة الخطورة إلى كل من اختار الانضمام إلى مؤسسات الدولة.
وفي الوقت ذاته، تؤكد المنظمة أن حماية المقاتلين لا تعني منحهم حصانة من القانون، وإنما تعني إخضاع الجميع للقانون على قدم المساواة:
حماية من يتعرض للاعتداء، ومحاسبة من يرتكب الجريمة، وإحالة كل من تثبت مسؤوليته إلى قضاء مستقل ونزيه.
ولا يمكن بناء دولة مستقرة في سوريا إذا بقيت حياة الإنسان رهينة للانتماءات المناطقية أو العشائرية أو القومية أو السياسية، وإذا ظل القتل والاختطاف قابلين للتسوية خارج مؤسسات العدالة.
لا دولة قانون مع الإفلات من العقاب، ولا أمن حقيقي مع الخوف من الجريمة، ولا مصالحة وطنية يمكن أن تُبنى فوق جثث الضحايا وطمس حقوق ذويهم.
سادسًا: مطالب المنظمة
بناءً على ما سبق، تطالب المنظمة الدولية لرصد الجرائم ضد الإنسانية حكومة دمشق ووزارة الدفاع السورية بما يلي:
- فتح تحقيق فوري ومستقل ونزيه وشفاف في واقعة اختطاف وقتل سيبان حزني، وعدم الاكتفاء بأي تحقيق داخلي محدود لا يكشف كامل ملابسات الجريمة.
- الكشف الكامل عن التسلسل الزمني للجريمة، منذ لحظة اختطاف الضحية وحتى العثور عليه مقتولًا، وتحديد الأماكن والأشخاص والجهات التي تعاملت معه خلال تلك الفترة.
- تحديد هوية جميع المسؤولين عن الجريمة، سواء كانوا منفذين مباشرين أو محرضين أو مخططين أو مساعدين أو متسترين على الجناة.
- إحالة كل من تثبت مسؤوليته إلى القضاء المختص، دون أي حماية سياسية أو عسكرية أو عشائرية، وضمان محاكمة عادلة وفق الأصول القانونية.
- رفض أي تسوية عشائرية أو سياسية من شأنها تعطيل التحقيق أو طمس الأدلة أو حرمان أسرة الضحية من حقها في العدالة والحقيقة.
- توضيح الوضع العسكري والقانوني لسيبان حزني بعد عملية الاندماج، وتحديد مسؤولية وزارة الدفاع والجهات الأمنية المعنية عن حمايته.
- ضمان حماية جميع المقاتلين الكرد المنضوين في ترتيبات الاندماج ضمن مؤسسات الدولة السورية، وعدم السماح بتحويل عملية الاندماج إلى غطاء لتركهم عرضة للاستهداف أو الانتقام.
- اتخاذ إجراءات واضحة لمنع تكرار مثل هذه الجرائم، ووضع آليات مؤسسية لحماية جميع الأفراد الذين انتقلوا إلى المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية.
- دعوة القوى والأحزاب السياسية الكوردية إلى موقف موحد وواضح، والتحرك لدى حكومة دمشق والجهات الدولية المعنية لضمان التحقيق والمحاسبة.
- ضمان عدم تحميل أي مكوّن عشائري أو اجتماعي المسؤولية الجماعية عن الجريمة، وحصر المسؤولية في الأشخاص والجهات التي يثبت تورطها بصورة فردية، لأن العدالة لا تقوم على الانتقام الجماعي وإنما على تحديد المسؤولية ومحاسبة الجناة.
سابعًا: العدالة ليست خيارًا
إن قضية سيبان حزني لا ينبغي أن تتحول إلى رقم جديد في قائمة ضحايا الفوضى الأمنية، ولا إلى حادثة عابرة تُغلق ببيان تعزية أو اتفاق عشائري.
القضية اليوم أكبر من معرفة من قتل سيبان حزني.
القضية هي: هل تستطيع الدولة السورية حماية من أصبحوا جزءًا من مؤسساتها؟ وهل تستطيع فرض القانون على الجميع دون استثناء؟ وهل تستطيع القوى السياسية الكردية الدفاع عن حياة أبنائها وحقوقهم عندما يصبحون ضحايا؟ وهل ستنتصر العدالة أم ستنتصر لغة القوة والإفلات من العقاب؟
إن عملية الاندماج العسكري لا يمكن أن تنجح بالقرارات الإدارية وحدها، وإنما تحتاج إلى ثقة، والثقة لا تُبنى إلا بالحماية والمساواة والعدالة والمحاسبة، فالاندماج الحقيقي يبدأ بالحماية وينتهي بالعدالة.
وأي اندماج لا يحمي حياة الإنسان وكرامته، ولا يضمن محاسبة من يعتدي عليه، يبقى اندماجًا ناقصًا مهما اكتملت هياكله العسكرية والإدارية.
إن دم سيبان حزني يستحق العدالة، وعائلته تستحق الحقيقة، والمقاتلون الكرد يستحقون الحماية، وكل مواطن سوري يستحق أن يعرف أن حياته ليست مباحة أمام السلاح أو النفوذ أو الانتماء العشائري أو السياسي.
وتؤكد المنظمة الدولية لرصد الجرائم ضد الإنسانية أن العدالة لا تتجزأ، وأن حماية الإنسان لا تخضع للمساومة، وأن أي جريمة قتل لا ينبغي أن تجد طريقها إلى النسيان عبر التسويات أو النفوذ أو الصمت.
ومن قتل سيبان حزني، ومن شارك في اختطافه أو تعذيبه أو التستر على جريمته، إذا ثبتت مسؤوليته، يجب أن يواجه العدالة دون حصانة أو استثناء.
فـسوريا لن تستطيع بناء دولة قانون ما لم تتوقف فيها جرائم القتل والاختطاف عن أن تكون قابلة للتسوية والإفلات من العقاب.
المنظمة الدولية لرصد الجرائم ضد الإنسانية
لندن/القاهرة
الجمعة 11 سبتمبر/أيلول 2026