في لحظة إقليمية تتسارع فيها التحولات السياسية والأمنية، وتتداخل فيها الحسابات الدولية مع الملفات الكوردية في العراق وسوريا وإيران وتركيا، تزداد الحاجة إلى قراءة المشهد الكوردي بعيدًا عن الاختزال والشعارات، وبأصوات تمتلك خبرة مباشرة في السياسة والإعلام وتفاصيل المنطقة.
من هنا، يستضيف مركز الخليج للدراسات الإيرانية في هذا الحوار الصحفي محمد زنكنة، المحلل السياسي ومسؤول القسم العربي والإقليمي في صحيفة «خهبات – النضال»، وعضو الحزب الديمقراطي الكوردستاني، للحديث عن مسيرته الطويلة في الإعلام، وعن التحولات التي شهدتها القضية الكوردية خلال أكثر من عقدين، فضلًا عن العلاقة بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، ومستقبل إقليم كوردستان، وتطورات روجآفا، ومستقبل روجهلات، وموقف إيران من القضية الكوردية، وعلاقة أربيل بكل من بغداد وأنقرة وطهران.
كما يتناول الحوار واقع الإعلام الكوردي، وحدود الاستقلال المهني في ظل الانتماءات السياسية والتمويل والمنصات الرقمية، ومدى قدرة الإعلام الكوردي على مخاطبة الرأي العام العربي والدولي، وصولًا إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه مصر في التعريف بالقضية الكوردية وفتح مساحات جديدة للحوار بين الكورد والعرب.
ويكشف زنكنة، خلال الحوار، عن جوانب من تجربته الشخصية والمهنية، ومشروعاته الإعلامية والكتب التي يعمل عليها، والحلم الذي يسعى إلى تحقيقه بتأسيس منصة إعلامية كوردية باللغة العربية، كما يتحدث عن علاقته الخاصة بمصر، وعن رؤيته لمستقبل القضية الكوردية في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية.
ويؤكد مركز الخليج للدراسات الإيرانية أن الآراء والمواقف والتحليلات الواردة في هذا الحوار تعبّر عن وجهة نظر الإعلامي محمد زنكنة وتقديراته الشخصية، ولا تمثل بالضرورة موقف المركز أو رؤيته السياسية. ويأتي نشر هذا الحوار انطلاقًا من إيمان المركز بأهمية حرية الصحافة وحرية التعبير والتعددية في طرح وجهات النظر، وحرصه على توفير مساحة للحوار والنقاش المسؤول حول القضايا الكوردية والإقليمية.
أولًا: محمد زنكنة بين الصحافة والسياسة
محمد زنكنة:
قبل كل شيء، شكرًا لكِ، جيهان العزيزة، وشكرًا لمركزكم الموقر على هذه الالتفاتة الجميلة، وعن طريقكم أحيي جميع القراء والمتابعين.
البداية كانت من الصفر بأكثر الوسائل بدائية، بالورقة والقلم، وبالكاميرات القديمة، وفي إطار بث محلي، حيث كانت بدايتي من تلفزيون إقليم كوردستان، بعدها انتقلت إلى الصحافة المكتوبة من خلال كتابة بعض المقالات السياسية والاجتماعية وحتى الفنية، وبدايتي الحقيقية كانت من صحيفة «خەبات – النضال»، ومنها انطلقت إلى عالم الصحافة والإعلام، وكانت المستقر للعمل في الجانب السياسي.
وبعد أكثر من 27 عامًا من العمل الإعلامي، وأكثر من 22 عامًا في مجال الصحافة، من الصعب جدًا أن أعدل أي شيء فعلته في السابق، ولكن لو عاد بي الزمن، من الممكن أن أغير بعض الاستراتيجيات التي كنت أتحفظ عليها، والتي تسببت بالتأخير للوصول إلى ما أطمح إليه، مع الاحتفاظ بالمبدأ والأساس النابع من المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية للعمل الصحفي.
محمد زنكنة:
حتى عندما بدأت العمل في المجال الصحفي، لم أتخذها كمهنة فقط، مع الأخذ بنظر الاعتبار العائد المادي، بالابتعاد عن مثالية الوصف الوهمية، حيث كنت أعشق هذه الأجواء من صغري، كنت أحب أن أكون محاورًا، أمسك بيدي الكاميرا وأتجول من مكان إلى آخر، وأتحدث مع زعماء ورؤساء وشخصيات مهمة، بل كنت أحلم بذلك.
وللمعلومة، أنا من أوائل الكورد استغلالًا لغرف المحادثات الإلكترونية القديمة ووسائل التواصل الاجتماعي للتعريف بكل ما هو كوردي، وللترويج لكلمة كوردستان، وأتذكر بأني أعددت تقريرًا لصحيفة «خەبات» حول تعاطي الشارع العربي مع كلمة كوردستان والوضع الكوردي، وكنت أتلقى المئات من الشتائم من الموجودين في هذه الغرف، وكونت صداقات ما زال بعضها مستمرًا إلى اليوم.
وأنا أيضًا كنت من أوائل من حاور شخصيات سياسية وأدبية بإرسال أسئلة ومحاور عبر الفيسبوك أو البريد الإلكتروني، لتنشر بعد ذلك في مجلة «الصوت الآخر»، والتي كانت تصدر في إقليم كوردستان باللغة العربية، وعن طريق هذه المجلة تعرفت على الكثير من الشخصيات، بعضهم فارق الحياة.
وكلمة «خەبات» كانت سببًا في أن تشيد صحفية مصرية بسؤال طرحته على الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، عمرو موسى، في المؤتمر الصحفي الذي عقده في مبنى برلمان كوردستان أثناء زيارته للإقليم وبعد إلقائه كلمة في جلسة خاصة لبرلمان كوردستان.
إذن، فقد كان التعريف بالماهية الإنسانية والقومية للكورد، وللتعددية في شعب كوردستان، والتعريف بهويتي الحقيقية، الهدف الأساس الذي عملت عليه في عملي الصحفي.
محمد زنكنة:
التلفزيون كان نقطة الصفر، أي قبل البداية، والصحافة كانت التمهيد لما أنا عليه الآن، والترجمة، مع أنها تتعبني كثيرًا، إلا أنها كانت أيضًا سببًا في أن تصل، وبصوتي، رسالة كوردستان إلى العالم العربي.
وأهم وأجمل ذكرى في هذا المجال كان المؤتمر الصحفي للرئيس مسعود بارزاني، وقبل يوم من إجراء استفتاء استقلال كوردستان، حيث قضيت أكثر من ساعتين في الاستوديو لترجمة المؤتمر.
وما أسعدني حقًا أن كل الإعلام العربي كان معتمدًا على صوتي وما أترجمه، لكن التحليل السياسي كان بمثابة التجربة الأقوى، والتي عرفتني على مؤسسات إعلامية من المحيط إلى الخليج، وصنعت صداقات بيني وبين الكثير من الإعلاميين والصحفيين في المحيط العربي، بل وحتى دول العالم، من تركيا وأوروبا وحتى الولايات المتحدة الأمريكية.
التحليل السياسي والحديث حول المستجدات السياسية في الإقليم والمنطقة هو المرحلة المتقدمة، والتي عرفتني على متابعي هذا المجال، بدليل أن الكثيرين يعرفونني ويلقون عليّ التحية من كورد وغير كورد، في داخل وخارج كوردستان.
محمد زنكنة:
تعرضت للتهديد أكثر من مرة، وللحرمان من الكثير من الأنشطة والمشاركة في مؤتمرات واجتماعات وورش عمل وفرص للسفر، لأنني، وباختصار وبنظرهم، «انفصالي».
وما زالت هذه النظرة موجودة ومستمرة من قبل الكثير من المؤسسات الإعلامية والشخصيات التي تعلن كرهها، وبكل صراحة، للقضية الكوردية ولي تحديدًا.
نعم، دفعت الثمن بسبب مواقفي، وحرمت من الكثير من الفرص التي كانت ستقربني من تنفيذ طموحي، لكنني أفتخر بذلك، لأنني لم ولن أساوم على ثوابت أؤمن بها.
ثانيًا: الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني
محمد زنكنة:
سأكون صريحًا حول هذا الموضوع، لأنه، وبكل صراحة، يمس حاضر ومستقبل هذا البلد، وفيه الكثير من بقايا تركة ثقيلة وإرث قاسٍ من الصراع ومحاولات الانشقاق والخيانة والخروج عن الصف الوطني، باسم السياسة والعمل السياسي والبراغماتية.
نعم، هناك خلاف سياسي، والخلاف ليس سهلًا، وهو بحاجة إلى حل عن طريق إحكام العقل والابتعاد عن التمسك بالمصالح الشخصية الحزبية الضيقة.
الخلاف لا معنى له، لأن نتائج عمليتين انتخابيتين على مستوى العراق وإقليم كوردستان بينتا حجم كافة الأحزاب والقوائم، وتحديدًا الديمقراطي والاتحاد.
فإن كان الاتحاد يريد أن يتم التعامل معه على أساس الماضي والتاريخ وما قدمه من نضال وتحديات، فالحزب الشيوعي العراقي هو الأولى عراقيًا بهذا التعامل، والديمقراطي على مستوى كوردستان هو الأول دائمًا.
ولنلغِ الانتخابات، ولنتقاسم المناصب التي نريدها باتفاق سياسي، ولا ننفق كل هذه الأموال لعملية انتخابية لا تؤتي بثمارها.
لكن الجانب المضيء من الموضوع يبين بأن هناك محاولات عديدة لتقريب وجهات النظر بين الجانبين، بوجود اجتماعات غير معلنة أو غير رسمية، بما يخدم الأمن القومي للشعب الكوردستاني، ومن حسن الحظ أن الخلاف السياسي لم يتطور إلى مستوى القطيعة الكاملة.
محمد زنكنة:
الواقع الإقليمي والدولي، والضغوط الدولية على العراق، هي التي ستجعل الاتحاد الوطني يصل إلى حقيقة مفادها أن الخروج من الإجماع الكوردي بمثابة انتحار سياسي وزوال إلى الأبد من العملية السياسية، لأن سيناريو نهايات 2002 من الممكن أن يتكرر في أية لحظة، حيث سارعت الإدارة الأمريكية إلى لملمة الشمل العراقي وفرض مشروعها على المنطقة بإسقاط نظام صدام، وفي وقتها سارع الرئيس الراحل جلال طالباني بالاتفاق مع الديمقراطي وتوحيد الجبهة السياسية الكوردستانية.
واليوم، بوجود ذات المشروع، ولكن مع إيران، لن يكون أمام السيد بافل طالباني طريق آخر غير الحزب الديمقراطي الكوردستاني وتوحيد الخطاب الكوردي.
ومن حسن الحظ أن هناك مساحة جغرافية وإقليمًا معترفًا به في الدستور العراقي، وقرارًا دوليًا ما زال نافذًا في حماية الإقليم منذ أكثر من ثلاثة عقود.
إذن، وحدة الموقف الكوردي ليس بالأمر المستحيل، لكنه بحاجة إلى وقت وصبر.
بصراحة: إذا استمر الصراع بين الديمقراطي والاتحاد بالصيغة الحالية، فمن سيكون المستفيد الأكبر: بغداد، أم إيران، أم تركيا؟
لحسن الحظ أيضًا، أن استمرار الإعلان الخفي للصراع لن يؤثر على التجربة، لكنه سيؤخر ما يريد أن يحققه إقليم كوردستان، وسيضيع الكثير من الوقت ويعرقل مشاريع التطور في المستقبل.
وفي كل حركة سلبية أو موقف غير مستحب، أيًّا كان الرابح: بغداد، طهران أم أنقرة، فالخاسر الوحيد هو شعب كوردستان.
محمد زنكنة:
هذا أكيد، والتدخل الإقليمي في شؤون الكورد كان موجودًا وفي كل مرحلة من مراحل التاريخ الكوردي القديم والحديث وحتى المعاصر، من أيام الإمارات الكوردية، مرورًا بفترة تقسيم كوردستان بين الدول الأربع وما تلاها من أحداث، وصولًا إلى ما بعد انتفاضة 1991 وإسقاط النظام في عام 2003.
نعم، القوى الإقليمية تبذل كل جهودها لعرقلة وتعطيل وإبادة كل مشروع يؤدي إلى تطور المسألة القومية والوطنية والإنسانية الكوردية، ومن السهل جدًا استقطاب الأحزاب والأطراف التي كانت، وبكل أسف، تلعب دور المرتزقة، وهذا ما يسهل تحقيق أهدافهم.
ثالثًا: روجآفا وغرب كوردستان بعد الاندماج
محمد زنكنة:
الوضع في غرب كوردستان، روجآفا، صعب جدًا، لكون المنطقة كانت وما زالت تحت سيطرة كاملة للدولة السورية، دون أن تستفيد من تجربة حكم ذاتي كان من الممكن أن يفرض أمرًا واقعًا أمام الدولة الجديدة بعد سقوط نظام البعث.
فعلى الرغم من وجود إدارة ذاتية من طرف واحد، بإهمال وتجاهل وتهميش الأطراف الأخرى، إلا أن هيكل الإدارة كان يبعث شيئًا من الأمل في إحداث تغيير لتشكيل إدارة كوردية موحدة بمشاركة جميع الأطراف، وتوحيد الموقف السياسي والعسكري الكوردي.
بكل أسف، جاء حل الإدارة للتهرب من الشراكة، تحت مسمى الاندماج، وهو حاليًا بمثابة الانصهار.
بكل أسف، لم يتكرر الواقع الذي كان موجودًا في إقليم كوردستان، بإجراء انتخابات وتشكيل برلمان وحكومة، ليثبت هذا الأمر الواقع في الدستور مستقبلًا.
نحن فعلًا أمام مرحلة جديدة صعبة، فيها بداية من الصفر، وكل التسويات الحالية لن يكون لها أي معنى، لأن حكم وسلطة الدولة مؤقت، والحكومة شكلت لتفادي الفراغ، وهناك الكثير مما لم ينجز حتى الآن، ولا توجد أية بوادر من قبل الدولة لحل المشكلة مع الكورد.
هذا بالإضافة إلى أزمة الثقة التي سادت الوضع بين الجانبين بعد أحداث الأشرفية والشيخ مقصود، والجرائم التي ارتكبت ضد المدنيين والعسكريين من الكورد، وخصوصًا النساء، بالتفاخر من قبل الميليشياويين بقص جدائل المحاربات الكورديات وعرضها على وسائل التواصل الاجتماعي.
لكن الأمر الذي يبعث الراحة في القلوب، أن الرئيس مسعود بارزاني، وبتواصله المستمر مع القيادة السورية الحالية، وبكشفه لمخطط خطير كان يهدف إلى إشعال حرب قومية بين العرب والكورد، استطاع أن يوقف تنفيذ هذا المخطط، لكن النية ما زالت موجودة لدى البعض، وخصوصًا أطراف محسوبة على الحركة الكوردية، وهي لا تمت للواقع الكوردي بصلة.
الانفجار متوقع، ولكن هناك من ينتظر الحجة، ومن سيتولى زمام المهمة، ومن الذي سيغذي الصراع، ومن الذي سيتولى مهمة التعبئة.
هل تعتقد أن الاندماج سيحافظ على المكاسب التي حققها الكورد في شمال وشرق سوريا، أم أن هناك خطرًا من فقدان جزء كبير منها داخل الدولة السورية الجديدة؟
لن ينجح أي اندماج يهدف إلى صهر الواقع الكوردي والهوية الكوردية والخصوصية القومية والإنسانية لهذا الشعب.
الخطر موجود طالما لم يكن هناك دستور، وطالما كان اسم الدولة «الجمهورية العربية السورية»، وباستمرار الدولة بالمضي قدمًا نحو التعامل مع ما يريده الكورد في إطار «العطوة أو التصدق أو المنة»، والتفاخر بذلك، الخطر سيبقى موجودًا.
وبزيادة هذه الفجوة، سيشعر الفرد الكوردي بأن خصوصيته مفقودة، ومن الممكن جدًا أن تتكرر سيناريوهات البعث مرة أخرى.
لكن الثابت هنا بأن القومية الكوردية لن تضمحل ولن تندثر، ولحسن الحظ أيضًا أن المعطيات الدولية مختلفة تمامًا عما كان موجودًا قبل عقود، والوعي الكوردي بات أكثر نشاطًا وأكثر نضجًا.
محمد زنكنة:
لا توجد أية ضمانات، الدولة مؤقتة، الحكومة هي أمر واقع، لا دستور، البرلمان غير فعال وتشكل بالترضية.
نعم، هناك الكثير من «كروت الضغط» بيد الكورد، لكن القيادة الموحدة هي ما ينقصهم، وهذا ما كان يجب أن يتحقق بعد مؤتمر قاميشلو.
حل الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية أحبط الكثيرين، لكن هذه الخطوة فتحت أعين الجميع على الكثير من الحقائق التي كانت مخفية أو لا نريد أن نتحدث عنها.
ولذلك، وبغض النظر عن أي عتب أو إحباط أو شعور بالفشل، إن كان هناك أساس يعتمد على مخرجات مؤتمر قاميشلو، فهذه هي الخطوة الأولى لبناء الجبهة السياسية الموحدة.
محمد زنكنة:
ما نراه اليوم من واقع بين الكورد والحكومة السورية، هي علاقة يسودها «التوتر الصامت والقابل للانفجار» في أية لحظة.
الاتفاق بين عبدي والشرع هو اتفاق بين من لا يمتلك الحل مع من لا يمتلك القرار، أي إن الطرفين اضطرا لتوقيع أكثر من اتفاق لإسكات الشارع، ولتهدئة الغضب، ولإرضاء المحيط الإقليمي والدولي.
بمعنى: إرضاء واشنطن وأنقرة، وتوجيه رسالة إلى طهران بأن نفوذكم في سوريا انتهى.
لم يكن أمام الكورد غير دمشق للاتفاق، وواقعيًا هذا هو الصح، أن يكون الاتفاق مع العاصمة، أيًّا كان الحكم.
بل وحتى الرئيس مسعود بارزاني، وأثناء فترة حكم الأسد، نصح الأطراف الكوردية بأن تتخذ قرارها: إما بالاتفاق مع النظام ببدء صفحة جديدة، أو توحيد الجهود الكوردية في إطار جبهة سياسية واحدة للتفاوض حول مستقبل الكورد في سوريا.
المشكلة هنا ليست في الاتفاق أو الطرف الذي يتم الاتفاق معه، المشكلة عدم وجود صورة واضحة للدولة، بالإضافة إلى عدم وجود صوت وموقف كوردي موحد.
محمد زنكنة:
الخطأ كان من قبل من كان يسيطر بنفوذه السياسي والعسكري على المنطقة، كان من الممكن دمج النفوذ مع السياسة والانطلاق نحو دمشق بحجة قوية وموقف موحد.
وأعتقد بأن التدخلات الإقليمية وتأثيرات القيادات الراديكالية لحزب العمال والمتواجدين في قنديل، هي السبب الأساس والرئيس لعدم وجود حجة كوردية قوية للتفاوض مع دمشق.
ولا يمكن تجاهل دور تركيا في هذا الموضوع، بدليل أن حزب العمال يريد أن يغير اسمه إلى «حزب تركيا الموحد» ويخرج من «البودقة الكوردية»، كما قال أوجلان في خطابه الأخير.
وبكل أسف، هذا يثبت ويبين بأن هذه القوى من الممكن أن تختار أي طرف تتفاوض وتتفق معه، باستثناء أي طرف كوردي لا يسير على خطاهم.
وإلا فإن أحزاب المجلس الوطني الكوردي كانوا وما زالوا مصرين على مخرجات مؤتمر قامشلو.
محمد زنكنة:
تركيا اعترضت على الواقع الكوردي بعد عام 1991، بشقيها الإسلامي والعلماني، وما زلت أذكر الكلمة الشهيرة التي ألقاها نجم الدين أربكان، رئيس حزب الرفاه المنحل ورئيس الوزراء الذي أزيل بانقلاب في عام 1997، بأن الانتفاضة الكوردية في «شمال العراق» ستكون سببًا في تأسيس دولة كوردية وتقسيم تركيا والعراق وإيران.
لكنها، بحكم الأمر الواقع، وبحكم الواقع الدستوري الذي فرض نفسه بعد عام 2003، أصبحت مقتنعة بحقيقة إقليم كوردستان، بل إن رئيسها أردوغان يزور أربيل ويجلس تحت صورة البارزاني، ويستقبل بتشريفة عسكرية بوجود علم كوردستان يرفرف إلى جانب العلم العراقي.
والأدهى من ذلك، رفع علم كوردستان في تركيا أثناء استقبال رئيس الإقليم ورئيس الحكومة.
نعم، الوضع في روجآفا مختلف، لكن الظروف، وعلى مراحل، سيكون لها دور في تغيير النظرة التركية تجاه واقع روجآفا.
وبالتأكيد سيسود العلاقة شيء من التوتر، وسنشهد العديد من مراحل الشد والجذب والتهديد والقصف حتى، لكنها أخيرًا ستوافق على هذا الواقع.
إلا أن الوصول إلى هذه المرحلة سيكون صعبًا، وسيتطلب الكثير من الوقت، وخصوصًا أن لتركيا أيضًا أزمات سياسية واقتصادية عميقة، من الممكن أن تؤدي إلى تغييرات «شبه جذرية» للحكم والسلطة فيها.
محمد زنكنة:
روجآفا بحاجة إلى علاج وحل سريع جدًا وآني للخروج من الضيق الذي تعاني منه.
حل الإدارة الذاتية فيه طريقان، أحدهما من الممكن أن يؤدي إلى صحوة قومية-وطنية سريعة، أما الآخر، فمن الممكن أن يؤدي إلى مزيد من التشرذم والتشتت الكوردي وضياع الهدف الحقيقي.
نعم، من الممكن أن تتحول إلى نموذج جميل وجيد ورائع للتوافق، بزوال تأثيرات الـ«PKK»، وإزالة كل أشكال التدخلات الإقليمية، والسير على خط كوردي موحد، بتناسي المصالح الضيقة لفترة وجيزة.
رابعًا: إيران والكورد
محمد زنكنة:
الوضع في إيران مخيف، متوتر، وفيه الكثير من الأزمات.
إيران تعاني من وضع اقتصادي مزرٍ، وانقسام سياسي كبير، وعدم وجود خطاب موحد، بل وحتى المؤسسة العسكرية باتت غير موحدة.
ولتغطية كل هذه الأزمات، من الطبيعي أن تلجأ السلطات الإيرانية إلى الضغط على كل ما يتعلق بالوضع الكوردي في العراق أو في إيران.
للأسف، ما زالت السلطات الإيرانية مستمرة في إعدام الشباب الكورد والتهديد بتصفية الناشطات الكورديات في سجون ومعتقلات الاطلاعات، مع استمرار دعم من يواليها من الكورد، من المنخرطين داخل السلطة أو خارجها، في إطار صناعة رأي عام كوردي مضاد يوائم مزاجها، ولإثبات مزاعمها بأن كل من يقف ضدها هو مارق خارج عن الدين والمذهب.
بكل أسف، تتعامل إيران مع القضية الكوردية بطريقة لا تختلف عما كان موجودًا في زمن نظام البعث، ولا يمكن لأي كوردي أو أي إنسان أن ينسى ما الذي حل بالشهيدة مهسا أميني.
إيران تفرض طوقًا أمنيًا على مناطق روجهلات، وعن طريق النقاط الحدودية، تبعث بالصواريخ والمسيرات تجاه إقليم كوردستان وتجاه أهداف حساسة، في إشارة واضحة إلى عداء صريح تجاه الإقليم.
وهنا أيضًا لا يمكن أن ننسى الشهيدة الطفلة جينا دزَيي، والتي كانت ضحية لسياسة العداء من هذه الدولة.
إيران تخاف من انتفاضة كوردية من الممكن أن تكون سببًا في سقوط دولتها في وقت لا يقل عن أسبوع، والجميع يعول على هذه الانتفاضة، لكن الجبهة الكوردية في إيران تأنت قليلًا في إطلاق هذه الخطوة، حرصًا على المدنيين من الجرائم التي من الممكن أن ترتكب ضدهم.
وهم، أي أحزاب المعارضة الكوردية في روجهلات، يعلمون جيدًا بأن إقليم كوردستان سيكون هدفًا أساسيًا لهم في أي تغيير من الممكن أن يبدأ من مدن روجهلات.
نعم، إيران تخاف كثيرًا من الانفجار الكوردي، لأنها تعلم جيدًا بأن الغضب الكوردي مساوٍ تمامًا لإسقاط نظامها.
محمد زنكنة:
هنا أيضًا نعود إلى نقطة الـPKK.
هم، وبكل أسف، مع بداية التوترات بين طهران وواشنطن، سارعوا إلى إيهام الناس بأنهم احتلوا نقاطًا ومقرات للحرس الثوري وللشرطة الإيرانية، ليتضح فيما بعد بأن هناك اتفاقًا بين الطرفين لإنجاز هذه المهمة.
فإن سقط النظام، سيتظاهرون بفضلهم على الكورد بـ«تحريرهم» لمدن روجهلات من الحرس الثوري، وإن لم يتحقق السقوط، فهي خدمة قدمها هذا الطرف للدولة الإيرانية، وبالتالي، سيكون هناك أيضًا تظاهر بالفضل على الكورد بأن موقفهم بحماية مقرات الحرس الثوري تسبب في حماية المدنيين من ردود فعلهم القاسية.
كانت هناك جبهة أعلنت قبل فترة من كافة الأحزاب الكوردية في روجهلات لتوحيد الموقف، لكن هذه الجبهة ضعيفة، ومخترقة، وكثير من قيادات هذه الأحزاب لا تتواجد في إيران، بل ومحكوم عليهم بالسجن المؤبد أو الإعدام.
هذا بالإضافة إلى وجود أطراف كوردية غير منتمية لأي حزب أو طرف، منقسمين بين صامت لا دخل له بالتغييرات السياسية، ومؤيد لنظام الثورة الإسلامية في إيران.
في المحصلة: نعم، لا يوجد أي استعداد أو أفق لتوحيد الموقف الكوردي في إيران، ولكن... من الممكن أن يكون للضغط الأمريكي دور في تشكيل هذه الجبهة المرجوة، إن كانت جادة فعلًا في إسقاط النظام الإيراني، وهذا متوقف على المزاج الشخصي للرئيس ترامب.
محمد زنكنة:
هي قادرة فعلًا، ولا يوجد أمامها أي مانع نفسي، لكن تغيير المواقف والخروج المفاجئ عن الإجماع الكوردي، من الممكن أن يكون سببًا في فشل أو تأخير أو عرقلة المحاولات لبناء جبهة مشتركة.
ناهيك عن الخلافات الموجودة بين حزب وآخر، أو بين كتلة وأخرى في داخل الحزب الواحد، بدليل الخلاف بين كتلتي الحزب الديمقراطي الكوردستاني، والخلاف بين الديمقراطي وكوملة، والخلاف مع حزب الحرية، وخلاف الـ«PKK» مع الجميع.
هذه الخلافات تعتبر عاملًا مكملًا للضغوط الإيرانية، والتي تعرقل وتمنع قيام جبهة كوردستانية موحدة.
محمد زنكنة:
في هذه الفترة التي نحن فيها الآن، لا يمكن لإقليم كوردستان أن يقدم غير الاستشارات، وضمانات ببقاء مخيمات أحزاب المعارضة الكوردية الإيرانية في إقليم كوردستان خالية ومنزوعة من السلاح، مع ضمان عدم استغلال أراضي إقليم كوردستان لتجاوز حدود الدولة الإيرانية.
ولكن، بوجود ضغوط أمريكية، ورغبة من فئة سياسية وفئة عسكرية إيرانية، سيكون لإقليم كوردستان دور فعال في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران.
وهذا ما أعلن عنه مؤخرًا، باختيار الرئيس نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كوردستان، لإدارة هذه المهمة.
وهذا ما يؤكد بأن القضية الكوردية خرجت من طور التأثر إلى التأثير، وهذا ما أقلق الجانب الإيراني، وتسبب في إطلاق صاروخين نحو مكتبي رئيس حكومة إقليم كوردستان ومدير مؤسسة حماية الأمن في الإقليم.
نعم، يستطيع الإقليم أن يلعب دورًا كبيرًا وفعالًا، وبمباركة دولية وحتى إقليمية من قبل تركيا، لكن تصدير الأزمات من قبل الجانب الإيراني من الممكن أن تأتي على هيئة هجمات بمسيرات وصواريخ، لتوجيه رسالة إلى أربيل وواشنطن بأننا لن نسمح لأن يكون للكورد دور في أي حل سياسي.
خامسًا: بغداد وإقليم كوردستان
محمد زنكنة:
بغداد تنظر إلى الإقليم كتهديد لها ولوجودها، لأنها لا تستطيع أن تحقق ما حققه إقليم كوردستان، ولا يمكن أن تعترف بالتقصير لأن المواطن يشاهد فارقًا كبيرًا في الخدمات والتطور والعمران بين إقليم حقق بأقل من 5% من الموازنة العامة العراقية، وهي أصلًا مقطوعة منذ 2014، ما لم تتمكن من تحقيقه بكل الأموال والمبالغ والسلطات الكثيرة التي تمتلكها الحكومة التي نحن فقط في إقليم كوردستان، نطلق عليها اتحادية.
بغداد تريد أن يكون لإقليم كوردستان موقعًا ودورًا هامشيًا، على غرار ما كان موجودًا في زمن نظام البعث، بأن تكون جميع مؤسسات الإقليم ودوائره تحت سلطته، ومن ثم الانقلاب على مبدأ الفدرالية وإلغاء مبدأ الأقاليم على أساس الأغلبية والأقلية والعودة إلى نقطة الصفر، بدليل المحاولة اليائسة لحيدر العبادي لاجتياح الإقليم والتقدم بقوات الحشد الشعبي والميليشيات والجيش تجاه أربيل، والتي جوبهت بمقاومة ودفاع مستميت من قبل قوات البيشمركة بتحطيم دبابة الإبرامز التي لطالما كان العبادي يتباهى بوجودها لدى الجيش العراقي في العشرين من أكتوبر من عام 2017 بعد خيانة السادس عشر من أكتوبر.
نعم، بغداد لا تريد الأقاليم، ولا تريد إقليم كوردستان، ولا تريد تطورًا للوضع الكوردي، وهي ليست مستعدة لتكرار تجربة الإقليم في مدن ومحافظات العراق، وبالتالي وبوجود خيانة داخلية في الإقليم، تعمل على قدم وساق لإبقاء تجربة الإقليم، مجرد حبر على ورق، بمعنى أن يكون الوضع في إطار مجلس تشريعي هش ومجلس تنفيذي «لا يحل ولا يربط»، ومؤسسات تخضع لهم فقط، كما كان موجودًا في زمن البعث.
محمد زنكنة:
كركوك والمناطق الكوردستانية الأخرى القابعة خارج سلطة الإقليم، فيها شق إقليمي ودولي، ملف كركوك معقد جدًا والوضع الموجود فيه حاليًا هو صنيعة بريطانية يعود إلى ما قبل الاكتشاف التجاري للنفط فيها في عام 1927، بل إن بريطانيا تأكدت من وجود النفط منذ عام 1912 على إثر النتائج التي تحققت من بحوث ودراسات، منذ عام 1888، ومن جهة أخرى لتركيا أيضًا نفوذ في الوقت الحالي على المدينة، وعن طريق ما يسمى بـ«المحافظ» وهو محمد سمعان، رئيس قيادة كركوك للجبهة التركمانية، والذي وضع المدينة ضمن سلسلة البلديات التركية، هذا بالإضافة إلى وجود نفوذ إيراني واضح عن طريق الميليشيات التي تستهدف الإقليم بمسيراتها عن طريق المواقع التابعة للحشد والجيش والتي تسيطر عليها بحكم الأمر الواقع والاستقواء، لكن هذا لا يعني بأن الجانب الكوردي لا يوجد فيه تقصير حول هذا الموضوع، أما ملف الرواتب، فهذا الأمر يخص الفارق والتفاوت في التطور بين الإقليم ومدن ومحافظات العراق الأخرى، حيث يشكل أي تطور في الإقليم، تهديدًا للدكاكين السياسية التي تسمى بـ«الأحزاب» والميليشيات التي تستولي على ثروات ومقدرات العراق، وبالعمل على إضعاف اقتصاد الإقليم، سيكسبون غضب الشارع من قيادات الإقليم، وهذا سيؤدي إلى استمرار الأزمات في إقليم كوردستان.
القيادة الكوردية لم تعجز عن تحويل هذا الموضوع إلى اتفاق، بل إن بغداد هي نفسها، ومعها من يساندها من الجانب الإقليمي وحتى الدولي، لا توجد لديهم أية إرادة لحل هذه المواضيع، فكل ما استمرت المشاكل المعلقة بين أربيل وبغداد دون أي حل، كانت لبغداد حججًا في مضاعفة محاولاتها لإضعاف الإقليم، بمعنى، أن بغداد تريد ومن خلال تعطيل حل هذه المشاكل، تحويل بوصلة المطالب من حقوق قومية ووطنية ودستورية، إلى مشاكل تتعلق بالرواتب، وبذلك ستنجح في تأجيج مشاعر الغضب تجاه الحكومة التي يقودها الديمقراطي الكوردستاني، وإضعاف الشعور القومي تجاه القضية الكوردية من قبل المواطن الكوردي.. نعم، هذا الموضوع معقد جدًا، لكن حله ليس مستحيلًا، وسيكون له حل بالفعل، مع كل خطوة نحو تغيير خارطة المصالح الدولية، وتغيير جزء من الخارطة الإقليمية... (وسيكون لكل حادث حديث).
محمد زنكنة:
كل خطوة نحو ترتيب البيت الكوردي، ستعجل في الحل والعكس صحيح، الظروف الحالية تشكل تحديًا كبيرًا لحل المشاكل التي يعاني منها إقليم كوردستان، نعم وفي كل وقت، يحتاج الإقليم إلى ترتيب بيته الداخلي مهما كانت الظروف، على القيادات السياسية أن تتحدى كل الصعاب الموجودة وتلقي بخلافاتها جانبًا وتعمل على أساس واحد ومبدأ واحد مهما كانت الظروف، ولكن، هل يستطيع من سلم نفسه وقراره إلى الجبهة الإقليمية وربط مصيره وبقاءه بحجم الدعم الذي يتلقاه من خارج الإقليم، أن يفكر حتى، بهذا الحل؟
سادسًا: صحيفة «خەبات» والإعلام الكوردي
محمد زنكنة:
من «خەبات – النضال»، انطلقت بدايتي الحقيقية، لهذه الصحيفة تاريخ عريق ومشرف، فهي أول من كتب عن الديمقراطية في العراق، وذلك في عددها الأول والذي صدر بشكل علني في الرابع من نيسان في عام 1959، وفي ذلك الوقت، كان الحديث عن الديمقراطية شيئًا غريبًا وغير مرغوب فيه أو محرمًا أو مرفوضًا لدى القوى السياسية، يمينية كانت أو يسارية، قومية كانت أو ليبرالية، «خەبات – النضال»، تحدت هذا الواقع وبينت بأن الحل الأفضل والأنجح والأقوى لبلد متعدد القوميات والأطياف يكمن في اتحاد اختياري على أساس الديمقراطية، ومن هذا المنطلق، تعلمت من هذه الصحيفة المناضلة أن القضية القومية هي الهدف الأساس والوحيد، وأن الحزب والنهج الذي بني عليه الحزب، ما هو إلا وسيلة لتحقيق هذا الهدف.
علمتني «خەبات»، أخلاقيات العمل الصحفي والمسؤولية الاجتماعية في نقل الخبر وتناول حيثياته ومراعاة الذوق العام وعدم التهجم على مقدسات الغير مهما كانت الخلافات والاختلافات في وجهات النظر، بالإضافة إلى مراعاة العلاقات الإيجابية التي ربطت الحزب بأحزاب وأطراف تشاركنا معهم جبهات النضال يومًا.
من «خەبات» تعلمت السهر، وأصبح تعبيري في الكتابة باللغة الكوردية أفضل بفضلها بعد رب العالمين، تعلمت منها أيضًا، أصول وحيثيات كتابة المقالة التحليلية، وكان كل ما تعلمته من هذه الجريدة، أساسًا لما درسته فيما بعد في كلية العلوم السياسية بجامعة صلاح الدين، نعم.. «خەبات»، هي مدرسة حقيقية لإعداد المواطن الكوردستاني المخلص لوطنه ولقضيته.
محمد زنكنة:
هي بحق مدرسة صحفية، فقد كان التركمان والآشوري وحتى العربي يعمل بها دون أن يشعر أي منهم بالتفرقة والحساسية تجاه الآخر، ودون أية خلافات قومية، العمل فيها كان ممتعًا وأنا أفتخر أنني نقلت وترجمت ما لا يقل عن 20-30% من أرشيف الخطابات واللقاءات والكلمات الرسمية المترجمة للرئيس مسعود بارزاني ولكاك نيجيرفان وكاك مسرور والأستاذ فاضل ميراني، بالإضافة إلى تواجدي في تغطية أهم المؤتمرات الصحفية والاجتماعات والمؤتمرات والقرارات الحساسة التي اتخذت، والزيارات الخارجية للإقليم، ومن أهمها زيارة الرئيس محمود عباس في عام 2009، حيث كنت أنا الوحيد من مراسلي الإعلام الكوردستاني والذي طرح سؤالًا باللغة العربية على الرئيس أبو مازن.
وبالتأكيد لكون الصحيفة حزبية ومحكومة بتعليمات الحزب، من الطبيعي أن تراعى فيها بعض الحدود التي تحدد ولا تضيق، ما يمكن أن يطرحه من يسمون أنفسهم بـ«الإعلام الحر».
شخصيًا كنت وما زلت ملتزمًا ودون أية مبالغة بهذه الحدود ولم يوقفني أحد يومًا عما أريد أن أعبر عنه، لكن الفرق هنا، أين وكيف ومتى، نعبر عما نراه صحيحًا أو خاطئًا، هل من الطبيعي أن أتحدث عن أمر أنتقد فيه حزبي، في منابر خارجية لمجرد إضفاء الـ«شو» الإعلامي على ما أريد وكأني أستعرض شجاعة زائفة أمام الناس؟ بالتأكيد هنا يكمن الاختلاف، النقد في محله وفي مكانه، وإن أردت أن أتحول إلى موقع الهجوم، سيكون ذلك متاحًا عندما أكون خارج صفوف الحزب، هكذا عودت نفسي وهذا ما أراه صحيحًا.
محمد زنكنة:
التطور موجود، في المجال التقني، فنيات الإعلام، تعدد القنوات والمنابر، وجود إعلام كوردي يصل إلى العالمية، وجود مراسلين كورد في كل بقاع العالم، تواجد الصحفي الكوردي في مراكز صنع القرار بدءًا من البيت الأبيض ثم الكرملين، وصولًا إلى أغلب القصور الرئاسية ومراكز الحكم والقرار في العالم، ولكن وبكل أسف، تغييرات المهنة ومتطلباتها الجديدة، أضافت صورة لم نتعود عليها في الماضي، وأصبح عامل الـ«تريند»، هو السائد والمتحكم، ونجاح الإعلام والمؤسسات الإعلامية بات يقاس على أساس المشاهدات وإشارات الإعجاب والتعليقات، وإن احتوت على شتائم وتهجم لفظي غير مقبول.
لكن هذا الواقع هو المقبول والمطلوب من قبل المتلقي، وهو السائد في هذا العصر، وهو الذي يتحكم بمدى نجاح وفشل الجهة الإعلامية والتي أصبحت مرتبطة بشكل كامل، بوسائل التواصل الاجتماعي.
من الممكن أن تكون الهيبة قد خفتت، أن تكون الكثير من المواضيع قد أخذت حيزًا وحجمًا أكبر وهي لا تستحق ذلك أصلًا، لكنني وبكل فخر أرى بأن «خەبات»، تكاد تكون الوحيدة أو من الإصدارات القليلة جدًا، والتي حافظت على «الإيتيك» الخاص بالإعلام والمسؤولية الاجتماعية.
محمد زنكنة:
لم يعد للمبدأ موقع أو قبول في كثير من المؤسسات الإعلامية، الصحافة المكتوبة في تراجع ولا تنجح إلا بوجود مقاطع فيديو أو دمج ببعض الصور وإرفاق بعض التأويلات غير المنطقية لجذب الاهتمام وجلب المشاهدات، الجميع اليوم مستقل فيما يكتب ويعبر به عن رأيه على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن الموضوع يبقى مرهونًا بمدى مساحة الحرية المتفق عليها بين الصحفي ومؤسسته، حتى في كتاباته الشخصية، وليس الانتماء السياسي فقط من يحدد اليوم مساحة الحرية، فهذا أمر طبيعي أن لا يتجاوز المنتمي لحزب معين، تعليمات ومبادئ حزبه، بل إن المؤسسات التي تدعي بأنها حرة، هي أكثر من يحد ويضيق من حرية القول والتعبير والكتابة وإبداء الرأي، لكون العامل التجاري والربح، هو أكثر ما يهم هذه المؤسسات، وهذا الأمر بات مقبولًا ومنطقيًا وسائدًا وطبيعيًا في يومنا هذا، ولا أعترض شخصيًا على هذا المبدأ، لكون غالبية من يعملون في هكذا مؤسسات، وغالبية المتلقين والمشاهدين والمتابعين، يرون في هذه المؤسسات مصدرًا مهمًا لتلقي أحدث وأجدد الأخبار والمستجدات، بفسح المجال أمام المتلقي للإشادة أو الاعتراض، بأية طريقة يراها صحيحة.
محمد زنكنة:
لن أقول بأننا فشلنا، أبدًا.. فالإعلام العربي والدولي بات يعرف ما هو إقليم كوردستان ومن هم الكورد، وللكورد متحدثون في إطار التحليل السياسي والرياضي والعلمي والأدبي والاجتماعي، يتواجدون دومًا على شاشات القنوات والمنصات العربية والدولية، لكننا ما زلنا في أطر ضيقة، لأننا لا نمتلك قنوات باللغة العربية تحديدًا، تخاطب الشارع العربي، لترسم له الملامح الحقيقية لتاريخ وواقع هذا الشعب وهذه الأمة ولتقول له، ها نحن وهذا تاريخنا وهذه هي أهدافنا.
ما أتحدث عنه لن يصعب شرحه على الشارع الأوروبي أو الأمريكي، الغرب بشكل عام، لكن مشكلتنا الحقيقية تكمن في مخاطبة الجانب العربي والإسلامي، وخصوصًا العربي، والذي يجب أن يخاطب بكل التفاصيل وكل ما يخص الوضع الحالي في كوردستان وفي جميع المجالات، نعم لدينا قنوات باللغة العربية، لكنني أرى بأنها لا تفي بالغرض، وفي كثير من الأحيان، أصل لهذه القناعة، بأننا نعم، ما زلنا نخاطب أنفسنا.
سابعًا: مصر ومركز الخليج
محمد زنكنة:
لمصر دور كبير وفعال ومؤثر في المعادلة السياسية في منطقة الشرق الأوسط، بل وعلى مستوى العالم أيضًا، وهناك الكثير من الأمثلة التي تؤكد هذا الكلام، وأود هنا أن أذكر فقط، الدور الذي لعبته القاهرة في معركة تحرير الكويت بعد غزوها من قبل جيش صدام في حركة مراهقة سياسية متهورة، أخرت العراق لعقود، وفي المقابل وبالدور الذي لعبته مصر في تحرير الكويت، استطاعت أن تعزز من مكانتها في الدبلوماسية العالمية وهذا ما جعلها تكون متواجدة دومًا في الكثير من الحلول لمشاكل الشرق الأوسط، بتواجدها في اتفاقية أوسلو الأولى والثانية وكثير من الأمور التي تخص القضية الفلسطينية وقضايا الشعوب الأخرى في الشرق الأوسط.
وفيما يخص الوضع الكوردي، ذاكرة هذا الشعب لا تنسى، بأن أول كلمة كوردية في صحيفة بلغة هذا الشعب، صدرت من القاهرة، ومن القاهرة أيضًا انطلق أول صوت كوردي في الإذاعة الرسمية لمصر، وكانت للرئيس الراحل جمال عبد الناصر مواقف إيجابية وإنسانية تجاه قضية الشعب الكوردي حيث كان دائم النصح للحكومات العراقية بأن لا يتخذوا خطوات من شأنها إشعال حرب قومية بين العرب والكورد، كما كان له موقف صارم من مشاركة الجيش المصري ضد قوات البيشمركة، حيث سحب عبد الناصر القوات المصرية المرابطة في معسكر الحبانية، والتي كانت متواجدة في إطار مشروع الوحدة العربي بين العراق وسوريا ومصر، متحديًا بذلك الرئيس العراقي آنذاك عبد السلام عارف ووجه له رسالة كانت بمثابة الصفعة مفادها: أن الجيش المصري لن يكون طرفًا في أي صراع داخلي في العراق، بينما شارك الجيش السوري في معارك ضد قوات البيشمركة، تكبد من خلالها خسائر فادحة جعله يهرب من المواجهة بعد أن علموا من يكون المقاتل الكوردي.
وبالتأكيد، بالاعتماد على هذا الدور الكبير والمهم لمصر ولتأثيرها على مستوى المنطقة والعالم، لا أستبعد، بل أجزم، بأنها ستلعب دورًا مهمًا في إفهام القضية الكوردية للعالم العربي ولشعوب الشرق الأوسط، ولله الحمد، في مصر اليوم العشرات من أصحاب الاختصاص والأكاديميين المصريين ممن درسوا القضية الكوردية وتخصصوا فيها ويدرسون التاريخ الكوردي في جامعات مصر المختلفة، وتوجد أيضًا العديد من المراكز والمؤسسات الخاصة بالدراسات الكوردية، هذا بالإضافة إلى ممثليتين للحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني.. نعم، سيكون لمصر دورًا مهمًا في تطور القضية الكوردية وعلى أكثر من مستوى.
محمد زنكنة:
اووووووه.. لا يسعني الوقت، للحديث عن مصر وحبي وعشقي لها، عشقي لمصر ليس وليد اليوم أو أمس، هو حب ينتقل إلينا جيلًا بعد جيل، وحب الكوردي لمصر هو حب بالفطرة، امتد من أيام الميتانيين وصولًا إلى يومنا هذا، وفي زيارتي لمصر في ديسمبر/كانون الأول 2025، كنت أتمنى أن لا ينتهي الوقت وأن تطول إقامتي فيها وأتمنى أن أزورها في كل عام، ولو خيرت للإقامة في مكان بديل عن بلدي، ستكون مصر اختياري الأول والوحيد.
عشقت مصر عن طريق الفن والسينما، وتعلمت التحدث بلهجتها الجميلة بتفرعاتها، بين الصعيدي والفلاحي والبورسعيدي والإسكندراني، عشقتها من عشقي لإبداع سيد درويش وصوت أم كلثوم وبراعة محمد عبد الوهاب وإحساس عبد الحليم حافظ، وزعامة عادل إمام للفن المصري. ولي الكثير من الذكريات التي تجمعني مع العديد من الفنانين المصريين ممن زاروا أربيل بدءًا من الزعيم ومن ثم الراحلين فاروق الفيشاوي وخليل مرسي وفاروق الرشيدي، بالإضافة إلى شيرين وأحمد بدير ووفاء وآيتن عامر والهانم صفية العمري، ولي العديد من الأصدقاء من الذين عملوا في السلك الدبلوماسي المصري في أربيل والصحفيين والكتاب وحتى من الناس العادية، من المصريين «الجدعان قوي»، وللأسف لا يحالفني الحظ لزيارتها باستمرار، وأتمنى أن تكون لي الفرصة لزيارتها في أية فرصة.
وتأثرت بالتأكيد بصحافتها وثقافتها، ومن السينما والدراما أيضًا، تعرفت على طه حسين ونجيب محفوظ ونبوية موسى وأحمد عرابي وسعد زغلول، ومن منا ينسى الثلاثية العظيمة لمحفوظ «السكرية وقصر الشوق وبين القصرين»، وسأخبركم سرًا مهمًا، أنني وفي سن الثالثة عشرة، قرأت أول مجموعة قصصية لإحسان عبد القدوس، وتأثرت كثيرًا بطريقته في الكتابة.
ومن الفن المصري أيضًا تعلمت كيف هي الصحافة في مصر، من فيلم «ضربة شمس»، للفنان الراحل نور الشريف، والذي شاهدته ولأول مرة في تسعينيات القرن الماضي، تمنيت أن أحمل معي دومًا كاميرا وجهازًا للتسجيل وأجري لقاءات مع المواطنين والمسؤولين والفنانين.
ارتباطي بمصر، لا يوصف بكلمات محدودة، لكنني سأختصر الموضوع بأنه ارتباط روحي، تظهر حقيقته مع أول كلمة سيسمعها مني المصري وأنا أتحدث معه بلهجته.
محمد زنكنة:
أرى من هذا المركز، فرصة مهمة لا أنصح بإهمالها، من أجل التعريف بالقضية الكوردية وإزالة الغشاوة الموجودة حول ماهية هذا الشعب وهويته وأصله، من الغريب جدًا أن لا يعرف المصري من يكون الكوردي، والشعبان سجلا في التاريخ أولى العلاقات الدولية في تاريخ سياسة العالم، وهل نستطيع أن نتخطى تاريخ وعظمة صلاح الدين الأيوبي؟ وهل من المنصف أن نتجاهل أصول أمير الشعراء أحمد شوقي وعباس محمود العقاد ومصطفى أمين؟ كيف للمصري الذي يحب السينما أن ينسى أحمد بدرخان والذي أسس أولى استوديوهات السينما في مصر؟
بالتأكيد يستطيع المركز «ولن يقصر» في شحذ كل الهمم من أجل استقطاب كل الكفاءات الكوردية الوطنية الحقيقية لفتح آفاق الحوار بين الكورد والعرب وتحديدًا المصريين لإنهاء كل المبهمات التي تتعلق بالفهم الخاطئ للتوجه القومي العربي والمستمد من أفكار حزب البعث والنهج الصدامي والذي أنتج الدمار والهلاك والخراب من خلال جرائم القصف الكيماوي والأنفال والإبادة الجماعية للكورد، وأقترح أن يبادر المركز لإجراء مؤتمر حواري وفكري يتعلق بجرائم الأنفال التي ارتكبت بحق هذا الشعب، إن كان في القاهرة أو أربيل، وأتمنى بل وأحلم، أن تستضيف أربيل وفي كل عام، مجموعة من المثقفين والكتاب والنخب من المصريين في فصل الصيف، تحت مسمى «أسبوع صيف أربيل»، للاطلاع على الوضع العام في إقليم كوردستان والاستمتاع بطبيعتها الخلابة ولكي نستفيد نحن أيضًا من التجربة السياحية الناجحة لمصر.
وفي الملف الإيراني، أرى وبكل أسف، تعاطفًا غير مبرر لكثير من المؤسسات الإعلامية المصرية مع السلطة الإيرانية، على أساس أن كل من هو ضد إسرائيل سنكون معه، متجاهلين بذلك ما الذي كان قاسم سليماني يريد أن يفعله في مصر بمساعدة تيار الإخوان، وكيف تعاملت مصر بتسمية إحدى شوارع طهران على اسم قاتل السادات، أتمنى من المركز أن يوضح الفرق بين التعاطف مع شعب أعزل لا حول له ولا قوة، وسلطة تريد نشر أفكار غريبة، لم يتقبلها الشعب المصري من أيام الفاطميين، فكيف بهم أن يفعلوا ذلك اليوم، ومع ذلك فإن مجرد التفكير بنشر هذه الأفكار الغريبة في مصر، يثير القلق.
محمد زنكنة:
نحن الكورد، الأحوج والأولى لاتخاذ الخطوات الأولى والمتقدمة للتعريف بقضيتنا، علينا أن نطرق كل الأبواب، بكل أسف فعلت ذلك أثناء زيارتي لمصر، وطلبت من أغلب أصدقائي الصحفيين أن يفسحوا لي المجال لأتحدث عن المستجدات الموجودة في إقليم كوردستان، ولم ألق آذانًا صاغية، لكنني لم ولن أستسلم، بل سأكون «كالشحاذ» أو كحواريي المسيح، من أجل إيصال الصوت الحقيقي لهذا الشعب.
نعم نحن بحاجة إلى الإعلام المصري وبحاجة ماسة إلى المزيد من الأبواب لندخل من خلالها إلى كل بيت عربي ومصري، عن طريق الفن والسياسة والمجالات العلمية والإعلام، الطفرة التي تحققت في مجال العلم والتكنولوجيا والتي حولت العالم إلى بيت صغير، لا قرية صغيرة، جعلت المصري من آخر بقعة في هذه البلد يغني «كرمانجي هره كولي»، وعن طريق هذا الفن وهذه اللغة ولإشباع الفضول الإنساني ثم الإعلامي، كثير ممن أعرفهم، بحثوا عن أصول ومكنونات هذه اللغة وهوية وأصل شعب كوردستان، الخطوة يجب أن تأتي من قبلنا نحن، ونحن بانتظار من سيفتح لنا الأبواب.
ثامنًا: محمد زنكنة خارج الشاشة
محمد زنكنة:
كثيرة هي الأفكار، وغزيرة ولحسن حظي أنني أكتب كل ما يخطر ببالي، لتفادي تخلخل الذاكرة وضياع أفكار من الممكن أن تكون سببًا لتحقيق طموح حلمت به يومًا. المشروع الأهم والذي أحلم به هو تأسيس منصة إعلامية كوردية خالصة، وباللغة العربية، وأن ينصب اهتمام هذه المؤسسة بكل ما يتعلق بالتاريخ الكوردي وأصل هذا الشعب وواقعه وسرد تاريخه السياسي القديم والحديث والمعاصر، وأن يكون العمل في المرحلة الأولى في إطار البرامج الوثائقية، أتمنى أن يتحقق هذا الحلم لنبني بذلك أول تجربة إعلامية كوردية حقيقية، وباللغة العربية لتتطور بعد هذه المرحلة إلى فتح آفاق ومجالات الحوار حول المستجدات السياسية، أتمنى أن ينفذ هذا المشروع بروية وهدوء ودون تهور وانجرار نحو «التريند»، هذا أكثر مشروع أحلم بتحقيقه.
محمد زنكنة:
بالتأكيد، لدي كتاب جاهز، يحتوي على إحدى وعشرين قصة مزودة بالصور، تختزل بعضًا من ذكريات سنوات عملي في صحيفة «خەبات» وباللغة العربية، وكنت أتمنى أن يرى الكتاب النور في عام 2024، حيث مر عشرون عامًا على عملي في هذه الجريدة، لكن وبكل أسف لم تسنح لي الفرصة لطبع هذا الكتاب وعرضت المشروع على العديد من دور النشر، ولم يقبل، لكونه يمثل تجربة شخصية تابعة لمؤسسة حزبية.
أعمل أيضًا على كتاب بعنوان «لا دية للخائن»، أيضًا باللغة العربية، أتحدث فيه عن فترة بداية الخلاف الجاد بين بغداد وأربيل بقطع حصة الإقليم من الموازنة العامة العراقية، مرورًا بالاستفتاء، وصولًا إلى خيانة السادس عشر من أكتوبر والمعارك التي لقنت الميليشيات الإيرانية درسًا لن تنساه.
ولدي أيضًا مشروع لمجموعة قصصية، فيها بعد سياسي بالدرجة الأساس، والقصص فيها واقعية وحقيقية، بشيء من التغيير والتحوير في الأسماء والشخصيات، هذا بالإضافة إلى بعض التوقعات التي أدرجتها في عدد من القصص، وأعتقد بأن هذا المشروع هو الأهم والأخطر في حياتي.
يخطر ببالي أيضًا أن يكون لي برنامج خاص بعنوان «حديث القهوة»، أتحدث فيه في كل حلقة عن موضوع يتعلق بالكورد.. أتمنى ومن كل قلبي أن أحقق هذه الطموحات.
محمد زنكنة:
بعد أكثر من عشرين عامًا من العمل في مجال الإعلام، أفضل أحيانًا أن أكون الضيف لا المستضيف في البرامج السياسية، ولكن، هذا لا يعني أنني لا أود أن أحاور شخصيات سياسية للتطرق إلى مواضيع مهمة وحساسة وغير تقليدية، وهنا سيكون الأمل الأول والأقوى، أن أكون ضيفًا لدى الرئيس مسعود بارزاني، لأطرح عليه العديد من الأسئلة غير التقليدية، واستفهم منه حول العديد من المواضيع التي تثار بين الفينة والأخرى حول تاريخ ثورة أيلول والحركة التحررية والبارزاني الخالد، أتمنى أن أسمع الحقائق من سيادته شخصيًا، لأنني أرى بأنه هو الأصدق على الإطلاق بين جميع السياسيين، ليس فقط في كوردستان والعراق، بل هو الوحيد في العالم، والذي ما زال يتعامل في مجال السياسة بإنسانية بحتة وبأخلاق الفرسان.
محمد زنكنة:
على المستوى الشخصي، أتمنى أن أكمل طريقي في مجال الدراسات العليا، وأن يكون لدي متسع من الوقت لأدرس الماجستير والدكتوراه في مجال العلاقات الدولية وفي شأن يخص الجانب الكوردستاني، للأسف، كان انشغالي في العمل هو السبب الأساس لابتعادي عن تحقيق هذا الحلم، لكنني ما زلت أسعى لأن تكون لي فرصة للدراسة، وسأكون محظوظًا، بل وفي قمة السعادة، إن سنحت لي الفرصة للدراسات العليا في إحدى الجامعات المصرية، جامعة القاهرة أو الإسكندرية.
أما على مستوى العمل، أتمنى أن أوثق كل ما أستطيع توثيقه عن ثورة أيلول، وكنت قد بدأت فعلًا وفي عام 2022 بإنجاز برنامج وثائقي حول هذه الثورة العظيمة، لكن ضعف الإمكانيات وعدم توفرها، حال دون أن أكمل هذا الموضوع، ولم يكن الابتعاد عن هذا الموضوع باختياري، بل الظروف هي التي فرضت ذلك.
محمد زنكنة:
بطبعي أحب التجديد، والانتقال إلى مساحات أوسع، فكل مهنة أعمل بها في مجال الإعلام، سيكون للكتابة وجود فيها، على سبيل المثال، عند إنجازي لأي برنامج وثائقي، أصر على أن تكون كتابة النص وسيناريو البرنامج والشخصيات، بل وحتى شكل الإخراج التلفزيوني من قبلي، لأطمئن على أن الموضوع سينجز بالشكل الذي أريده.
نعم أفكر في توثيق الكثير مما شهدته في حياتي الإعلامية على شكل كتب أو مقاطع فيديو أتحدث فيها عن مواضيع مهمة شهدتها خلال عملي الصحفي والإعلامي، والجميل هنا أن المتعة في أي عمل مهما كان، لن يكون ببعيد عن الإعلام والصحافة والشاشة، لأن كل هذه المسائل مرتبطة ببعضها في حياتي.
تاسعًا: الأسئلة الصعبة
محمد زنكنة:
الخلاف طبع بشري، لا يمكن أن يكون سببًا أساسيًا ورئيسيًا في ضياع مشروع قومي وإنساني، نعم لدينا العديد من الأمثلة حول ضياع دول وإمبراطوريات بسبب الخلاف الذي تطور إلى صراعات دموية وأنهى الكثير من التجارب السياسية، الأندلس على سبيل المثال والتي تحولت إلى إمارات وطوائف وانتهت بمحاكم التفتيش، الاتحاد السوفييتي السابق، يوغوسلافيا، ولكن.. جميع هذه التجارب كانت عبارة عن مشاريع لفرض الرأي والإرادة وتغيرت وأبيدت، لأنها كانت في الوقت الخطأ وفي المكان الخطأ.
أما في الحالة الكوردية، فالوضع مختلف تمامًا، وهنا لا أنكر بأن الخلافات قد أخرت فعلًا الكثير مما كان يطمح إليه شعب كوردستان، ولكنها ليست السبب الأساس والوحيد والحقيقي، وأود أن أقولها وبكل صراحة، إن خارطة المصالح الدولية والمتفق عليها على أساس إرادة الكبار، المنتصرين في الحربين العالميتين الأولى والثانية، والذين يقودون بوصلة العالم اليوم، هي التي تقدم أو تؤخر أو تعرقل أو تسرع كل القضايا في الشرق الأوسط، بل وفي العالم أجمع. الخلافات الكوردية – الكوردية، ما هي إلا شماعة لإخفاء حقيقة الإرادة الدولية، ثم إلقاء اللوم على الكورد أنفسهم واتهامهم بالتقصير بإضاعة الفرص ووأد أحلام هذا الشعب، وللأسف توجد قنوات محسوبة على الكورد والحركة التحررية، قد ساهمت في تغذية هذا الشعور، شعور جلد الذات وعقدة الذنب، وعقدة الانتقاص من القومية الكوردية وطموح شعب كوردستان، لكنني أرى بأن المعطيات اليوم تختلف عما كانت في الماضي، ومن الطبيعي جدًا أن تتغير بوصلة وإحداثيات المصالح وطريقة الاتفاقات السرية بين الدول الكبرى، وسيكون للكورد دورًا مهمًا في المعادلة الجديدة، بدليل الاستعانة بهم لحل المشاكل الإقليمية.
باختصار.. لطالما كان هناك طرفًا كورديًا يتصرف ببراغماتية، سيكون الحل سهلًا، والهدف بكل تأكيد، لن يتحقق بمرحلة واحدة.
محمد زنكنة:
على العكس، أنا أتمنى أن أسمع وبكل إنصاف، التشخيص الصحيح للأخطاء الفاضحة التي ترتكبها بعض القيادات الكوردية من قبل الصحفيين، لا أن تجمل وتبرر وتوصف بأنها الحل الوحيد للحفاظ على ما يسمى بـ«الوحدة الوطنية»، أتمنى أن يشخص الصحفيون الخيانات التي تسعى بعض الأحزاب والأطراف الكوردية والتي تتسبب في تأخير ما يسعى إليه هذا الشعب، الخطأ الأكبر والذي ترتكبه بعض القيادات الكوردية، هو الخروج من الإجماع الوطني، والتحالف مع العدو لمجرد مناكفة الحزب المنافس، هذا ما أتمنى أن تناقشه وسائل الإعلام، لأن هذا هو الخطأ الأكبر والذي ترتكبه هذه القيادات، في سبيل تحقيق مآرب شخصية ومصالح ضيقة الحدود.
محمد زنكنة:
الدول الأربع التي تتقاسم كوردستان، مهما اختلفت، إلا أنها تتفق على معاداتها لشعب كوردستان، وإن كانت هذه المعاداة تختلف من دولة لأخرى ومن نهج لآخر، التهديد من الدول الأربعة هو السبب في حالة الانقسام الكوردي، وهو المحرك للخلاف والمغذي له والمتسبب في ظهور وتطور المشاكل واستعصاء حلها أحيانًا، والإرادة الدولية للكبار، تلعب أيضًا دورًا مهمًا في تعميق هذا الخلاف، أو حله، متى ما تحققت مصالحها.
محمد زنكنة:
نحن بحاجة إلى الوطنيين الصادقين، أيًا كانت أعمارهم أو تجاربهم ولأي حزب أو طرف انتموا، ونحتاج أيضًا إلى توعية وتنمية سياسية وتعبئة مستمرة مستدامة لإعداد جيل سياسي يتسلح بخبرات الماضي ويحفظ كل المآثر التي تحققت، ويستفيد من التطور التكنولوجي والتواصل والانفتاح ويستغلها للمصلحة العامة، أي أن يؤسس لمستقبله عن طريق الماضي. المرحلة الحالية بحاجة إلى جيل قوي، ينسى كلمة إحباط ويؤمن تمامًا بأن التطور والعولمة والتعايش والاندماج، وخصوصًا الاندماج، لا يعني أن ينسى الإنسان هويته القومية، وتقاليده المجتمعية وخصوصياته المختلفة وأن يستثمر كل هذه الصفات الجميلة لترسيخ مبدأ التعايش السلمي الحقيقي، دون أن يفقد أحد خصوصية هويته وأن يشعر بأنه لا يختلف في الإنسانية عن أي شخص، ولكن بهويته الحقيقية دون أن يلبس ثوبًا لا يليق به.
محمد زنكنة:
التفاؤل موجود، وإن كانت بعض المراحل قد خلقت عندي إحباطًا مؤقتًا، والإحباط هنا يكمن في تأخير تحقيق الهدف وانعدام الصبر، وأنا أرى تغييرًا كاملًا في المعطيات، وانتقالًا مناسبًا للبوصلة السياسية الدولية، لكن تحقيق الهدف يحتاج إلى وقت وصبر، نعم صبرنا كثيرًا، لكن ما تم الاتفاق عليه بتقسيم وتجزئة هذه الأرض قبل أكثر من مئة خمس قرون، لا يمكن أن يعالج بين ليلة وضحاها، لكن الشعب الكوردي أيضًا لم يعد يتحمل كل هذا الجور والظلم والسكوت المخزي للإنسانية وتحديدًا، من أقرب الناس وأقرب الشعوب لنا، الشعوب العربية، والتي تجمعنا بهم المئات من المشتركات. نعم أنا متفائل، ولكن.. تفاؤلي حذر.
في ختام هذا الحوار، يضع محمد زنكنة أمام القارئ رؤية تجمع بين تجربة أكثر من عقدين في الصحافة والإعلام، وقراءة سياسية تتناول التحولات المتسارعة في كوردستان وروجآفا وروجهلات، والعلاقات المعقدة مع بغداد وأنقرة وطهران، فضلًا عن الدور الذي يمكن أن يؤديه الإعلام في بناء جسور التواصل بين الكورد والعالم العربي. وبينما يقرّ الضيف بحجم التحديات والانقسامات والضغوط الإقليمية والدولية، فإنه يتمسك في الوقت ذاته برؤية متفائلة لمستقبل القضية الكوردية، وإن كان يصف تفاؤله بأنه «حذر».
وبين الصحافة والسياسة والهوية والذاكرة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع الكورد تحويل المتغيرات الإقليمية والدولية الجديدة إلى فرصة تاريخية، أم أن استمرار الانقسام الداخلي سيظل العقبة الأكبر أمام مشروعهم السياسي والقومي؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* نائب رئيس مركز الخليج للدراسات الإيرانية





















