الأربعاء, 21 يناير 2026
اخر تحديث للموقع : منذ 6 ساعات
المشرف العام
شريف عبد الحميد

النفير العام... صرخة الأرض والدم حين تتوحد الروح من نصيبين إلى القامشلي

الأخبار - جيهان علو | Wed, Jan 21, 2026 5:32 AM
الزيارات: 55
تلقّوا نشرتنا اليوميّة إلى بريدكم الإلكتروني

تستنفر الذاكرة الكردية اليوم كامل مخزونها الرمزي، وهي تواجه واحدة من أعنف العواصف الوجودية التي تحيق بـ«روجآفا» والشمال السوري، حيث لم يعد النفير العام مجرد استجابة عسكرية ظرفية بل تحوّل إلى حالة انصهار مجتمعي شاملة، تذوب فيها الفوارق الطبقية والمهنية أمام قدسية الدفاع عن الأرض والهوية. إن المشهد السريالي للقائد العام لقوات سوريا الديمقراطية الجنرال مظلوم عبدي إلى جانب القيادية السياسية فوزة اليوسف، والقيادية إلهام أحمد، وهم يتوشحون السلاح في الخنادق الأمامية، لا يُقرأ بوصفه ضرورة ميدانية فحسب، بل باعتباره تجسيدًا حيًّا لعقد اجتماعي فريد، قررت فيه النخبة أن تكون الدرع الأول، مكرّسةً مفهوم «القيادة بالقدوة» في أبهى صوره.

هذا الالتحام الروحي بين القيادة والقاعدة، وبين الفنانين الذين استبدلوا أوتار آلاتهم برصاص البنادق يبرهن للعالم أن «حرب الشعب الثورية» في روجآفا ليست عقيدة عسكرية فحسب، بل فعل إيمان عميق بأن الهوية الكردية اليوم تُصان ببارود المقاتلين وصمود الأمهات، وبقدرة المجتمع على تحويل الخطر الوجودي إلى طاقة جماعية للمقاومة.

وعلى الجانب الآخر من الحدود التي رسمها المستعمر تبرز ملاحم مدينة نصيبين في شمال كردستان (تركيا) كصرخة مدوية في وجه العزلة والتقسيم. إن تحطيم الأهالي للحواجز العسكرية والجدران الإسمنتية في سبيل الالتحام مع إخوتهم في القامشلي يمثل الانكسار الرمزي الفعلي لاتفاقية "سايكس-بيكو" في الوجدان الكردي. فهذا المد الشعبي الهادر في نصيبين وماردين وديار بكر يعكس وعيًا قوميًّا عابرًا للحدود، يدرك يقينًا أن استهداف روجآفا ليس حدثًا معزولًا، بل مقدمة لتقويض المكتسبات الكردية في عموم الجغرافيا الكردستانية.

وفي هذا السياق يخوض حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Parti) معركة سياسية وقانونية شرسة داخل البرلمان التركي، محولًا إياه إلى منصة لتعرية الدعم اللوجستي الذي تقدمه أنقرة للفصائل المسلحة. إن هذا الضغط السياسي يضع الحكومة التركية أمام استحقاق أخلاقي ودولي بالغ الحساسية محذرًا من أن اللعب بورقة التغيير الديموغرافي وتهجير الكرد لن يمر دون كلفة بل سيؤسس لشرخ مجتمعي عميق، ويدفع بالمنطقة نحو أتون صراع عرقي لا يبقي ولا يذر.

أما في باشور (إقليم كردستان) فإن المشهد السياسي يشهد تحولات دراماتيكية تفرضها وحدة المصير. وبينما تكبّل الحسابات الإقليمية الضيقة بعض القوى يبرز الدور المختلف لبافل طالباني، الذي يبدو أنه اختار تجاوز «دبلوماسية الحذر» نحو «دبلوماسية الفعل القومي». فالحديث عن دور قوات مكافحة الإرهاب (CTG) التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني لا يقتصر على الدعم التقني بل يتعداه إلى بناء جدار صد أمني واستخباراتي يحمي العمق الكردي من تمدد التهديدات الإرهابية.

إن موقف طالباني يعيد الاعتبار لمركزية السليمانية بوصفها حاضنة للفكر القومي التحرري ويرسل رسالة واضحة مفادها أن أمن روجآفا ليس ملفًا خارجيًا بل جزء لا يتجزأ من أمن السليمانية وأربيل، وأن أي تهديد لروجآفا سيواجه بجبهة كردية صلبة لا تعترف بحدود الخرائط الورقية ولا بمنطق التجزئة السياسية.

ما تشهده روجآفا اليوم هو «ماراثون البقاء» الذي يختبر صلابة المشروع الديمقراطي، وقدرة الإنسان الكردي على ابتكار أدوات صموده في ظل خذلان دولي مريب. فالنفير العام ليس مجرد استنفار عسكري بل صرخة وجودية في وجه مشاريع التغيير الديموغرافي، وردّ تاريخي على محاولات اقتلاع الجذور الكردية من أرضها. إنها معركة لا تقبل القسمة على اثنين.. إما وجود كريم يحفظ الكرامة والخصوصية الثقافية أو مواجهة مفتوحة حتى آخر رمق.

وبحمل السلاح من قبل المثقف والفنان والفلاح يكتب الكرد اليوم فصلًا جديدًا من ملحمتهم التاريخية، مؤكدين أن الأرض التي رويت بدم آلاف الشهداء لن تكون يومًا مسرحًا لأوهام المرتزقة ولا حديقة خلفية لطموحات الإمبراطوريات الزائلة.

تعليقات

أراء وأقوال

اشترك في النشرة البريدية لمجلة إيران بوست

بالتسجيل في هذا البريد الإلكتروني، أنتم توافقون على شروط استخدام الموقع. يمكنكم مغادرة قائمة المراسلات في أي وقت