في واحد من أكثر فصول السياسة الأمريكية قسوةً وبراجماتية في الشرق الأوسط خلال عام 2026، يبرز اسم "توم باراك" لا بوصفه وسيط سلام أو مبعوث استقرار، بل باعتباره مهندسًا لعملية تفكيك سياسية منظمة استهدفت جوهر التجربة الكردية في شمال وشرق سوريا. اليوم.. يقف الشارع الكردي أمام سؤال وجودي مرير: كيف تحولت تضحيات آلاف الشهداء في كوباني والباغوز ومنبج إلى مجرد أوراق تفاوض يستخدمها الحاكم الإداري الأمريكي في سوريا توم باراك لشراء "شرعية دولية" لحكومة أحمد الشرع في دمشق؟
أولًا: محاربة الإرهاب... من بطولة تاريخية إلى ذريعة منتهية الصلاحية
أكبر صدمة تلقاها الكرد تمثّلت في تصريح باراك بأن "قسد لم تعد مطلوبة في معركة مكافحة الإرهاب". هذا التصريح لا يمكن قراءته بوصفه تقييمًا عسكريًا موضوعيًا، بل هو إعلان سياسي صريح بانتهاء الوظيفة الاستراتيجية للكرد في الحسابات الأمريكية. فدماء آلاف المقاتلين الذين شكّلوا رأس الحربة في إسقاط تنظيم داعش تحوّلت، في منطق باراك، إلى "تكلفة مرحلة" انتهى مفعولها بانتهاء الحاجة إليها. ومع تغيّر أولويات واشنطن، لم تعد الشراكة مع قوة محلية ديمقراطية مطلوبة، بل بات التعامل مع "دولة مركزية معترف بها" أكثر جدوى من حيث الشكل القانوني والشرعية الدولية.
بهذا المنطق لا يسعى باراك فقط إلى التخلي عن قسد، بل إلى نزع شرعيتها الأخلاقية وتحويلها في الخطاب الدولي من قوة تحرير قاتلت الإرهاب إلى "كيان مسلح يعرقل سيادة الدولة السورية".
ثانيًا: لغز أحمد الشرع... لماذا دمشق لا قامشلي؟
يرى الكرد في انحياز باراك إلى حكومة أحمد الشرع خيانة صريحة لكل الخطاب الأمريكي حول الديمقراطية وحقوق الشعوب، لكن من زاوية باراك البراجماتية، يتحرك القرار ضمن مثلث مصالح واضح هو:
1- الثمن التركي
باراك، بصفته سفيرًا سابقًا لدى أنقرة، أعاد إحياء الصفقة التاريخية.. التضحية بالمشروع الكردي مقابل استقرار العلاقة مع تركيا. فبالنسبة لواشنطن إرضاء دولة عضو في الناتو أكثر أهمية من الوفاء لتعهدات قُدمت لقوة محلية لا تمتلك غطاءً سياديًا دوليًا.
2- التطمينات الإسرائيلية
إسرائيل التي رأت طويلًا في الكرد حليفًا طبيعيًا، أعادت تموضعها وفق الرؤية الأمريكية الجديدة.. "دمشق منفتحة ومسيطر عليها أفضل من كيان كردي مستقل قد يفتح الباب على سيناريوهات إقليمية غير محسوبة". باراك قدّم للقيادة الإسرائيلية تصورًا مفاده أن حكومة الشرع ستكون سدًا سياسيًا وأمنيًا أمام النفوذ الإيراني، وهو ما جعل (تل أبيب) تتخلّى عمليًا عن أي دعم استراتيجي للمشروع الكردي.
ثالثًا: لماذا الآن؟ منطق الغدر المنهجي
التحول في موقف باراك لا يتعلق بالأخلاق أو المبادئ، بل بالاقتصاد والجغرافيا السياسية:
باراك لا يرى في روجآفا نموذجًا سياسيًا بل منطقة ثروات غير مستثمرة. الشركات الأمريكية والخليجية التي يتحرك ضمن شبكاتها تحتاج إلى عقود رسمية مع دولة معترف بها لا مع "إدارة ذاتية" تعتبرها تركيا "كيانًا إرهابيًا".
واشنطن تريد إغلاق الملف السوري بأقل كلفة عسكرية. بقاء الكرد كقوة مستقلة يعني استمرار الوجود العسكري الأمريكي لحمايتهم. أما تسليم الملف لدمشق فيعني انسحابًا مريحًا وتفويضًا للأطراف الإقليمية بإدارة الصراع.
- الخوف من العدوى الديمقراطية
نجاح تجربة روجآفا كان يشكّل تهديدًا بنيويًا للأنظمة السلطوية في المنطقة. نموذج حكم لا مركزي.. تعددي.. تشاركي يقوده الكرد، كان خطرًا سياسيًا يجب احتواؤه قبل أن يتحول إلى مرجعية إقليمية.
رابعًا: الجسر الذي قرر باراك هدمه
في جوهر الأمر لم ينظر توم باراك إلى الكرد يومًا بوصفهم شركاء مصير، بل بوصفهم جسرًا وظيفيًا للعبور من مرحلة الحرب على داعش إلى مرحلة إعادة ترتيب الشرق الأوسط. واليوم.. بعد أن عبرت واشنطن هذا الجسر نحو تفاهمات جديدة مع تركيا و(إسرائيل) ودمشق قرر باراك هدمه دون تردد.
الرسالة الضمنية التي يفرضها هذا التحول على الكرد قاسية وواضحة..
لقد دفعتم ثمن الحرب بدمائكم، والآن يُطلب منكم دفع ثمن السلام بوجودكم السياسي.
إنه غدر استراتيجي لا تمحوه بيانات الشكر ولا خطابات الإشادة بـ"شجاعة المقاتلين الكرد" بل قرار سياسي بارد يضع طموحات شعب كامل في سلة المقايضات الإقليمية تحت عنوان "الاستقرار" وبمضمون حقيقي اسمه.. تصفية روجآفا لصالح نظام إقليمي جديد ترعاه واشنطن وتضمنه أنقرة وتستفيد منه دمشق.