يؤكد مركز الخليج للدراسات الإيرانية أن ما تشهده الساحة السورية اليوم لا يمكن فصله عن نمط أمريكي مكرر في إدارة مناطق ما بعد الصراع يقوم على إعادة إنتاج نماذج الفوضى الوظيفية وتفكيك الدول وإعادة هندسة المجتمعات بالقوة السياسية والعسكرية تحت عناوين زائفة من قبيل «الاستقرار» و«الانتقال».
في هذا السياق يبرز الدور الذي يلعبه «توم باراك» بوصفه الحاكم الإداري الأمريكي الفعلي في سوريا على نحو يعيد إلى الأذهان تجربة «بول بريمير» في العراق بعد الاحتلال عام 2003 تلك التجربة التي انتهت بتدمير مؤسسات الدولة وإشعال الصراعات الداخلية وفتح البلاد على مصراعيها أمام إيران وسيطرة وكلاء إيران من الميليشيات على مقدرات العراق .
إن تصريحات ومواقف باراك منذ توليه هذا الدور غير المعلن تكشف بوضوح عن مسار سياسي يستهدف تفكيك البنية المجتمعية السورية وعلى رأسها المكوّن الكردي الذي شكّل طوال السنوات الماضية أحد أعمدة الاستقرار النسبي وقوة أساسية في مواجهة الإرهاب وحماية وحدة الجغرافيا السورية شمالًا وشرقًا.
وكما حاول «بول بريمير» في العراق تحييد وتفكيك القوى الكردية وتقليص دورها السياسي والعسكري تمهيدًا لإعادة صياغة العراق وفق المصالح الأمريكية فإن «توم باراك» يسير اليوم على النهج ذاته في سوريا ولكن بأدوات أكثر التواءً وبشراكات إقليمية واضحة.
إن واشنطن تتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية الكاملة عمّا يجري ليس فقط بصفتها القوة المهيمنة على القرار بل لأنها تمارس سياسة التواطؤ المباشر مع تل أبيب في رسم مستقبل سوريا على قاعدة التفريغ السكاني وإضعاف المكونات الأصيلة وإشعال صراعات داخلية تبرر التدخلات اللاحقة.
وفي هذا الإطار لا يمكن تجاهل الدور التخريبي الذي تلعبه تركيا بوصفها الشريك التنفيذي الميداني لهذه السياسات عبر عمليات عسكرية مباشرة ودعم جماعات مسلحة وفرض أمر واقع ديموغرافي في المناطق الكردية بما يخدم مشروع تقطيع أوصال سوريا وتحويل شمالها إلى مناطق نفوذ خاضعة للابتزاز السياسي والأمني.
كما يحمّل المركز المسؤولية الكاملة لـ أدوات واشنطن المحلية وفي مقدمتها أبو محمد الجولاني الذي جرى تأهيله سياسيًا وإعلاميًا ليكون واجهة «سورية جديدة» مفصّلة على قياس المصالح الأمريكية والتركية والإسرائيلية رغم سجله الدموي ودوره الوظيفي في ضرب أي مشروع وطني أو تعددي حقيقي وخاصة المشروع الكردي.
إن ما يجري اليوم ليس صراعًا داخليًا عابرًا بل مشروع تقسيم مكتمل الأركان تُدفع فيه سوريا خطوة خطوة نحو التفكك وتُستهدف فيه المكونات التي طالما تغنت الولايات المتحدة بحمايتها لتجد نفسها اليوم بين التهميش الممنهج والمذابح وسياسات الإبادة غير المعلنة.
وعليه.. يعلن مركز الخليج للدراسات الإيرانية:
- دعمه السياسي الواضح والصريح للشعب الكردي وحقوقه المشروعة في سوريا بوصفه مكوّنًا أصيلًا غير قابل للإقصاء أو الاستئصال.
- إدانته الكاملة للدور الأمريكي ممثلًا بالحاكم الإداري «توم باراك» باعتباره امتدادًا مباشرًا لتجربة «بول بريمير» الكارثية في العراق.
- تحميل واشنطن وتل أبيب المسؤولية عن المسار الحالي الذي يقود سوريا نحو التفريغ والتقسيم.
- إدانة الدور التركي التخريبي وكل الأطراف الإقليمية المنخرطة في استهداف الكرد وتغيير البنية السكانية.
- التحذير من أن استمرار هذا المسار سيقود إلى انفجار شامل تكون نتائجه كارثية على المنطقة بأكملها.
إن الوقوف إلى جانب الكرد اليوم ليس موقفًا عاطفيًا بل موقف سياسي وأخلاقي واستراتيجي في مواجهة مشروع تدمير سوريا وتحويلها إلى ساحة نفوذ مفتوحة لإسرائيل وتركيا برعاية أمريكية كاملة.
مركز الخليج للدراسات الإيرانية
لندن – القاهرة
19 يناير/كانون الثاني 2026