يهدف هذا التقرير إلى تقديم قراءة تحليلية معمّقة للاحتجاجات الإيرانية المعاصرة، بوصفها ظاهرة سياسية - اجتماعية مركبة، لا يمكن اختزالها في بعدها المعيشي أو اللحظي، بل يجب فهمها ضمن مسار تاريخي طويل من التحول في طبيعة النظام السياسي الإيراني منذ عام 1979. يعتمد التقرير إطارًا نظريًا مستمدًا من أعمال الفيلسوفة والمفكرة السياسية حنّة أرندت، ولا سيما تمييزها الجوهري بين مفهومي «السلطة» و«القوة»، وتحليلها لمسارات تحلل الشرعية في الأنظمة الشمولية.
ينطلق التقرير من فرضية أساسية مفادها أن إيران انتقلت تدريجيًا، وعلى نحو متسارع في العقد الأخير، من نظام يستند -ولو جزئيًا- إلى عناصر من القبول الاجتماعي والشرعية الثورية، إلى نظام يقوم على الإكراه الصِرف، ويعتمد على العنف المؤسسي والأمني باعتباره الأداة الوحيدة لضمان الاستمرار.
أولًا: الثورة الإيرانية وبناء شرعية السلطة (1979-1989)
1- مفهوم الشرعية الثورية
عند انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، امتلك النظام الجديد رصيدًا واسعًا من الشرعية، نابعًا من تلاقي عدة عناصر:
- السخط الشعبي على نظام الشاه.
- الخطاب الديني التعبوي.
- التحالف العريض بين قوى اجتماعية متناقضة.
- وعد إقامة «نظام العدالة الإسلامية».
ووفق منطق "حنّة أرندت"، فإن السلطة في هذه المرحلة لم تكن قائمة على العنف، بل على القبول والمشاركة، حتى وإن شابها لاحقًا الإقصاء والتصفية.
2- الحرب العراقية-الإيرانية كرافعة للسلطة
أسهمت الحرب (1980-1988) في إعادة إنتاج السلطة الثورية عبر تعبئة المجتمع، وتحويل الدولة إلى كيان تعبوي – عسكري. هنا بدأت أولى علامات الانتقال من السلطة إلى القوة، إذ جرى تسويغ العنف الداخلي باسم «حماية الثورة» و«ظروف الحرب»، دون أن تفقد السلطة كامل رصيدها الاجتماعي.
ثانيًا: ما بعد الخميني وبداية تآكل السلطة (1989-2009)
1- التحول البنيوي للنظام
مع وفاة موسوي الخميني، دخل النظام مرحلة جديدة اتسمت بازدواجية بنيوية: مؤسسات منتخبة محدودة الصلاحيات، في مقابل بنية فوق-دستورية متمثلة في ولاية الفقيه والحرس الثوري. هذا التناقض أضعف مفهوم السلطة بوصفها تعبيرًا عن الإرادة العامة.
2- احتجاجات 1999 وبوادر القطيعة
شكّلت احتجاجات الطلبة عام 1999 أول مؤشر واسع على تراجع القبول الشعبي، حيث جرى قمعها بعنف ما عكس -وفق مقاربة أرندت - لجوء النظام إلى القوة حين تعجز السلطة عن الإقناع.
3- الحركة الخضراء (2009)... انهيار الثقة
تمثل احتجاجات 2009 لحظة مفصلية إذ خرج ملايين الإيرانيين رفضًا لما اعتبروه تزويرًا انتخابيًا. هنا لم يعد النظام قادرًا على الادعاء بامتلاكه رضا المحكومين فلجأ إلى العنف المنهجي والاعتقالات وإغلاق المجال العام.
ثالثًا: منطق القوة في فكر "حنّة أرندت"
1- التمييز بين السلطة والقوة
ترى "أرندت" أن السلطة تنبع من الفعل الجماعي والقبول بينما القوة (أو العنف) أداة تُستخدم عندما تفشل السلطة. وكلما زاد اعتماد النظام على القوة دلّ ذلك على هشاشته البنيوية.
2- الأنظمة الشمولية والعنف الوقائي
تؤكد "أرندت" أن الأنظمة الشمولية لا تستخدم العنف فقط لقمع التمرد، بل تمارسه وقائيًا لمنع تشكّل أي فضاء عام مستقل. هذا النموذج ينطبق بدرجة كبيرة على إيران في العقد الأخير.
رابعًا: احتجاجات ما بعد 2017... الاقتصاد كشرارة والسياسة كجوهر
1- احتجاجات 2017-2018
انطلقت هذه الاحتجاجات من هوامش المجتمع ورفعت شعارات غير مسبوقة ضد رأس النظام، ما كشف عن انتقال السخط من النخب إلى القواعد الاجتماعية الدنيا.
2- احتجاجات الوقود (2019)
اتسمت هذه الجولة بقدر غير مسبوق من العنف حيث قُتل المئات خلال أيام، وهو ما يعكس -وفق منطق أرندت - وصول النظام إلى مرحلة الاعتماد الكلي على القوة.
خامسًا: احتجاجات 2022-2024... انفجار الشرعية
1- البعد الرمزي لاحتجاجات «المرأة.. الحياة.. الحرية»
مثلت هذه الاحتجاجات قطيعة رمزية مع النظام، حيث لم تقتصر المطالب على الإصلاح، بل طالت بنية الحكم ذاتها، والدور الديني للدولة.
2- العنف بوصفه اللغة الوحيدة للسلطة
ردّ النظام بحملة قمع واسعة.. إعدامات، اعتقالات، محاكمات صورية، وهنا تتجسد مقولة "أرندت" بأن العنف لا يخلق سلطة بل يدمّر ما تبقى منها.
سادسًا: الحرس الثوري والدولة الأمنية
تحوّل الحرس الثوري من مؤسسة عسكرية إلى عمود فقري للنظام، اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا. ويُعدّ هذا التحول أحد أبرز مؤشرات انتقال الدولة من منطق السلطة إلى منطق القوة.
سابعًا: المجتمع الإيراني بين الخوف والقطيعة
رغم القمع، تشير المؤشرات الاجتماعية إلى تآكل الخوف، واتساع فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، لا سيما بين الشباب والنساء والأقليات القومية.
تؤكد القراءة الأرندتية للاحتجاجات الإيرانية أن ما تشهده البلاد ليس أزمة عابرة، بل لحظة تاريخية من تفكك السلطة، حيث لم يعد النظام يحكم إلا بالقوة. ووفق هذا المسار فإن استمرار العنف لن يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى تعميق القطيعة، وتسريع لحظة الانفجار القادم.
* رئيس مركز الخليج للدراسات الإيرانية