تشهد مناطق شمال وشرق سوريا في المرحلة الراهنة تحولًا بنيويًا عميقًا في طبيعة العلاقة بين الإدارة الذاتية الكردية وسلطة دمشق. فبعد أشهر من التفاؤل الحذر الذي أعقب ما عُرف بـ«اتفاقات مارس»، والتي سعت نظريًا إلى رسم ملامح تسوية سياسية ضمن إطار سوريا ما بعد الحرب، أدى تصلّب الموقف الرسمي في دمشق ورفضه العملي لمضامين التفاهمات المعلنة مع الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى انفجار سياسي وأمني واسع النطاق.
ولا تقتصر خطورة هذا التحول على البعد العسكري، بل تتجاوزه إلى تشكّل حالة تعبئة قومية كردية عابرة للحدود السياسية والجغرافية، تُعيد تعريف الصراع بوصفه صراع وجود وحقوق تاريخية، لا مجرد خلاف إداري أو دستوري.
أولًا: القطيعة مع دمشق وانهيار جسور الثقة
جاء إعلان النفير العام في مناطق الإدارة الذاتية مفاجئًا في توقيته، لكنه بدا، في جوهره، نتيجة منطقية لمسار تفاوضي طويل انتهى إلى طريق مسدود. فقد فشلت المفاوضات التي جرت مع سلطة دمشق، بقيادة حكومة أحمد الشرع، في إنتاج أي صيغة تضمن الحد الأدنى من الشراكة السياسية أو الاعتراف بالخصوصية الكردية.
جوهر الخلافات
تركزت نقاط الخلاف الأساسية حول رفض دمشق الاعتراف بقوات سوريا الديمقراطية كقوة عسكرية ذات طابع خاص ضمن المنظومة الدفاعية السورية، وإصرارها على تفكيك هياكلها القيادية ودمج عناصرها بشكل فردي. كما تراجعت السلطة عن التزاماتها المتعلقة بتوسيع اللامركزية الإدارية، ورفضت منح اللغة الكردية أي وضع دستوري أو رسمي، متمسكة بخطاب تقليدي يعتبر أي تعددية سياسية أو ثقافية مساسًا بمفهوم السيادة.
إعلان القطيعة السياسية
قرأت القيادة الكردية هذا الموقف بوصفه إعادة إنتاج لسياسات الإقصاء المركزية القديمة، وأدركت أن ما تحقق من مكاسب خلال سنوات الحرب على الإرهاب بات مهددًا بالزوال بقرارات سياسية أحادية، ما دفعها إلى الانتقال من منطق التفاوض المفتوح إلى منطق الاستعداد الشامل للمواجهة.
ثانيًا: مظلوم عبدي وتحول الرمزية السياسية إلى عسكرية
مثّل الظهور العلني للجنرال مظلوم عبدي بالزي العسكري الكامل نقطة تحوّل رمزية لافتة في المشهد. فبعد مرحلة طويلة ظهر فيها بصفته فاعلًا سياسيًا ودبلوماسيًا، يتنقل بين العواصم ويقود مسار التفاوض، جاء هذا التحول البصري ليعكس تغيرًا جوهريًا في طبيعة المرحلة.
دلالات التحول
لا يمكن قراءة هذا التحول على أنه مجرد تغيير شكلي، بل هو إعلان سياسي صريح بانتهاء مرحلة «الدبلوماسية الناعمة»، والدخول في مرحلة «الدفاع المشروع» عن المكتسبات القائمة. إنها رسالة مزدوجة: إلى دمشق بأن خيارات الضغط السياسي لم تعد كافية، وإلى الشارع الكردي بأن القيادة مستعدة لتحمل كلفة المواجهة.
البعد التعبوي
ساهم هذا المشهد في إعادة تعبئة الشارع الكردي، خصوصًا بين فئة الشباب، حيث أعاد ترسيخ صورة عبدي كقائد مقاومة لا مجرد وسيط سياسي، ما انعكس في موجة تطوع وتلاحم شعبي لافت.
ثالثًا: نصيبين والقامشلي... كسر منطق الحدود
على المستوى الشعبي، شهدت مدينة نصيبين في شمال كردستان (تركيا) تحركات غير مسبوقة، تمثلت بمحاولات واسعة لاختراق الحدود باتجاه القامشلي، في مشهد حمل دلالات سياسية وأمنية بالغة الخطورة.
سقوط الرمزية الحدودية
عكست هذه التحركات حالة وعي جمعي كردي تتجاوز منطق الحدود التي فرضتها اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الأولى. فبالنسبة لكثير من كرد نصيبين وماردين، لم تعد معركة القامشلي شأنًا محليًا، بل امتدادًا مباشرًا لمعركة الهوية والوجود.
الرسالة الإقليمية
وضعت هذه التحركات أنقرة أمام معادلة حساسة، إذ إن أي رد أمني مفرط قد يؤدي إلى تصعيد داخلي واسع، ويحوّل روجافا إلى بؤرة استقطاب كردي إقليمي يتجاوز الحسابات السورية البحتة.
رابعًا: دخول البيشمركة وإعادة تشكيل التوازن العسكري
يمثل عبور وحدات من البيشمركة التابعة لإقليم كردستان العراق نحو روجافا تطورًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، ليس فقط عسكريًا، بل سياسيًا أيضًا.
تجاوز الانقسام الكردي
يعكس هذا التحرك تراجعًا ملموسًا في حدة الانقسام التاريخي بين القوى الكردية الرئيسية، في ظل إدراك متزايد بأن التهديد القائم لا يميّز بين التيارات السياسية، وأن وحدة الموقف الميداني باتت شرطًا للبقاء.
الأثر الاستراتيجي
يوفر هذا الدعم عمقًا عسكريًا وخبرة قتالية إضافية تعزز من قدرة روجافا على الصمود، وتعيد رسم موازين الردع في مواجهة أي محاولة لفرض حل بالقوة.
خامسًا: من إدارة ذاتية إلى «أمة مقاومة»
في المحصلة، أسهمت سياسات دمشق الإقصائية في تحقيق نتيجة عكسية تمثلت في تسريع عملية توحيد الصف الكردي. فاليوم، تتراجع أهمية التسميات التنظيمية المختلفة لصالح هوية جامعة يمكن توصيفها بـ«المقاومة الكردية».
لم تعد روجافا مجرد كيان إداري يسعى للاعتراف، بل تحولت إلى رمز للصمود وفضاء جامع لإعادة تعريف المشروع الكردي في سوريا والمنطقة. وفي هذا السياق، تبدو «البدلة العسكرية» – بما تحمله من رمزية – التعبير الأوضح عن مرحلة يُنظر فيها إلى السياسة باعتبارها امتدادًا للصراع، لا بديلًا عنه.