في مدن كردستان إيران (روجهلات)، لم يعد الصباح يبدأ كالمعتاد، بل بأصوات الأبواب التي تُخلع في الفجر، وببكاء الأمهات اللواتي يلملمن ما تبقى من رائحة أبنائهن في قمصانهم المتروكة. إن ما ترصده منظمة "هنكاو" والشبكات الحقوقية ليس مجرد إحصائيات لعدد المعتقلين، بل هو تشريح دقيق لعملية "اقتلاع" ممنهجة للأمل من بيوت الكرد. القمع في هذه المناطق لا يقتصر على كونه سياسة أمنية، بل يمثل محاولة صريحة لكسر روح الجبل التي تسكن هؤلاء السكان.
أولاً: حصاد "كانون" المر... صدمة الأرقام والواقع
بحلول منتصف يناير/كانون الثاني 2026، تجاوز المشهد حدود "الضبط الأمني" التقليدي ليدخل مرحلة الانتقام الجماعي.
نزيف الاعتقالات: الرقم 18,434 معتقلاً على مستوى البلاد لا يمثل مجرد إحصائية؛ بل خلف كل حالة هناك أب ينتظر، وزوجة قلقة، وطفل يسأل عن غياب والده. في المناطق الكردية، النسبة الأعلى، حيث تحولت مدن مثل بوكان وسنندج إلى سجون مفتوحة مكتظة بقوات القمع.
جغرافيا الوجع: في إيلام، لم تقتصر الاعتقالات على 22 ناشطاً في يومين، بل شملت إجراءات ترهيب عائلاتهم. أما في كرمانشاه، فقد أصبحت الشوارع خالية إلا من الدوريات، حيث يُعتقل الشباب لمجرد "الاشتباه في النظرة" أو ارتداء الزي الكردي التقليدي الذي فُسر كرمز للمقاومة.
الطفولة المستباحة: رصدت التقارير اعتقال 41 طفلاً. هؤلاء الصغار، الذين يُفترض أن يكونوا على مقاعد الدراسة، يواجهون الآن عتمة الزنازين وبرودة التحقيق، في انتهاك صارخ لكل المواثيق الدولية التي تحمي براءة الطفولة.
ثانياً: "الإخفاء القسري"... موت مؤجل للقلقين
تكمن القسوة الكبرى في "الثقب الأسود" الذي يبتلع المعتقلين. بمجرد أن تضع القوات الأمنية يدها على المعتقل الكردي، يدخل في نفق "الإخفاء القسري".
الانتظار المر: تقف الأمهات الكرديات أمام أبواب مراكز الاحتجاز التابعة لاستخبارات الحرس الثوري، دون أي إجابة. هذا الصمت المتعمد يُعد نوعاً من التعذيب النفسي الممنهج للعائلات.
الاعترافات القسرية: خلف الجدران الصماء تُنتزع الكلمات تحت وطأة الألم. قصص التعذيب المسربة من إيلام تتحدث عن إجبار الشبان على الاعتراف بجرائم لم يرتكبوها، ليتم لاحقًا عرضها كـ "مسرحيات دموية" على التلفزيون الحكومي، ممهدةً الطريق لحبال المشانق.
ثالثاً: شبح الإعدام... حكاية "عرفان" ورفاقه
الإعدام في إيران ليس مجرد عقوبة، بل هو "رسالة بالدم" موجهة لكل من يجرؤ على الحلم.
نموذج عرفان سلطاني: يمثل عرفان صوت الآلاف اليوم. حكم الإعدام الصادر بحقه بتهمة "المحاربة" هو في الحقيقة حكم على حقه في التعبير. قصته هزت الوجدان الكردي، حيث تحولت صورته إلى أيقونة للصمود. كل ثانية في "زنزانة الانتظار" هي طعنة في خاصرة العدالة الدولية.
الفن تحت الحصار: ملاحقة الفنانين والمخرجين الكرد، سواء بالاعتقال أو التصفية، تعكس خوف السلطة من "الكلمة" و"اللحن" بقدر خشيتها من الرصاص؛ إذ إن الفن الكردي هو الوعاء الذي يحفظ الهوية من الصهر والزوال.
رابعاً: التوصيف الأخلاقي والقانوني
من منظور حقوق الإنسان، ووفقاً لنظام روما الأساسي، ما يحدث ليس مجرد "تجاوزات"، بل جريمة ضد الإنسانية مكتملة الأركان:
الاستهداف الممنهج: القمع لا يميز بين شيخ وشاب، بل يستهدف "الهوية الكردية" بحد ذاتها.
التمييز العرقي: يُعامل المعتقل الكردي بقسوة مضاعفة مقارنة بغيره، ويُحرم من أبسط حقوق الدفاع.
خنق الحياة: مصادرة الممتلكات، إغلاق المحال التجارية، وقطع الإنترنت، كلها أدوات تهدف إلى حصار الإنسان في رزقه وكرامته.
نداء من قلب المعاناة
تجاوز عدد القتلى 2,400 إنسان ليس مجرد رقم، بل هو جرح غائر في ذاكرة الأجيال. مناطق كردستان إيران تصرخ اليوم، ليس طلباً للشفقة، بل للمطالبة بالعدالة.
إن المجتمع الدولي، بصمته أو ببياناته غير الجدية، يمنح الجلاد وقتاً إضافياً. هناك حاجة ماسة لـ "صحوة ضمير" عالمية تتجاوز المصالح السياسية، لإنقاذ ما تبقى من الأرواح في زنازين إيران المظلمة. فكل دقيقة تمر قد تعني حياة تنطفئ، وحلماً يُشنق، وأماً تنضم إلى طابور الثكالى الطويل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر الميدانية:
- تحديثات منظمة هنكاو لحقوق الإنسان.
- شهادات حية من عائلات المعتقلين في سنندج وإيلام.
- مركز الإحصاء في شبكة حقوق الإنسان بفرنسا.