الإثنين, 12 يناير 2026
اخر تحديث للموقع : منذ 7 ساعات
المشرف العام
شريف عبد الحميد

السياسة وموشور الطائفة في العراق

آراء وأقوال - يحيى الكبيسي | Fri, Apr 5, 2019 5:13 PM
تلقّوا نشرتنا اليوميّة إلى بريدكم الإلكتروني

بعد أن بشرنا رئيس مجلس النواب العراقي، أكثر من مرة، في الأيام الماضية بأنه «لم يعد هناك أي تهديد طائفي في العراق»، وبأن «المواطنين العراقيين قد تركوا وراءهم القضايا الطائفية بشكل لا رجعة فيه»، كما جاء في حديثه في معهد السلام الأمريكي نهاية الشهر الماضي. أو بشكل أكثر تحديدا بأن «العراق قد تجاوز الطائفية السياسة إلى غير رجعة»، كما جاء في حديثه لدى استقبال السيد نبيه بري قبل بضعة أيام! مذكرا إيانا بما بشرنا به رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، أكثر من مرة، بين عامي 2009 و2013 بأن العراقيين قد «قبروا الطائفية» إلى غير رجعة أيضا! يبدو واضحا أن مسألة الموقف من الوجود الأمريكي في العراق لا يمكن فهمها إلا من خلال هذه «الطائفية» التي تم قبرها، وتجاوزها، والانتهاء منها إلى غير رجعة!

فثمة اليوم خطاب متصاعد حول ضرورة انسحاب القوات الأمريكية من العراق، تقوده الكتل الشيعية الرئيسية؛ الفتح ودولة القانون/ تحالف البناء، وسائرون/ تحالف الإصلاح، وصل إلى حد تقديم مقترح قانون بهذا الصدد إلى مجلس النواب العراقي في شباط/فبراير الماضي موقع من أكثر من 52 نائبا. مع موقف «ضبابي» من كتلتي الحكمة والنصر من خلال زعيم تيار الحكمة الذي شدد على رفض التواجد الاجنبي على الأرض العراقية، لا سيما القوات القتالية البرية والقواعد العسكرية، لكنه في الوقت نفسه دعا «إلى تعضيد موقف الحكومة ورؤيتها تجاه الحاجة لهذا التواجد»! والحقيقة اننا لسنا ندري ماذا سيكون موقفه في حال قررت الحكومة ضرورة الإبقاء على هذه القوات، وبضمنها القوات القتالية؟

في المقابل، نجد إجماعا سنيا على ضرورة الإبقاء على القوات الأمريكية في العراق، رغم الخطاب «المتردد» من قبل الكتل السنية المختلفة في إعلان هذا الموقف بشكل محدد وصريح، لاسيما أن الانتخابات البرلمانية الاخيرة قد دفعت إلى الواجهة بجماعات تتعامل مع السياسة بمنطق البزنس! هكذا وجدناهم، إلا في حالات نادرة، يعمدون إلى استخدام لغة «عائمة» و «ضبابية» فيما يتعلق بهذا الموضوع! ويحاولون التعكز على السلطة التنفيذية، تحديدا القائد العام للقوات المسلحة، من خلال وضعه في الواجهة باعتباره المسؤول عن اتخاذ هكذا قرار! لذلك تحدث رئيس مجلس النواب «السني» في معهد السلام الأمريكي، تبعا لنص التقرير الذي أصدره المعهد نفسه في موقعه الرسمي؛ عن الحاجة إلى المجتمع الدولي «لضمان الخدمات والأمن»، وان الولايات المتحدة الأمريكية تبدو «ملتزمة بمواصلة الدعم العسكري لإنهاء المتطرفين»، وان الحكومة العراقية بأكملها «متحدة للعمل مع شركائها في التحالف الدولي لهزيمة هذه المنظمة المتطرفة نهائيا»! كما وجدناه في مقابلة «حصرية» مع صوت أمريكا، يقول بالحرف إن «دعم التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لضمان هزيمة نهائية لداعش أمر بالغ الأهمية مع استمرار العراق في بذل جهوده ضد أنشطة هذا التنظيم المتمرد»! وقال ايضا إن «الغالبية العظمى في الحكومة العراقية تدعم وجود قوات التحالف»! كما نشرت صحيفة الواشنطن بوست بتاريخ 28 آذار/ مارس 2019 تقريرا عن لقاء رئيس مجلس النواب العراقي بوزير الدفاع الأمريكي في واشنطن، جاء فيه، انه تبعا لقراءة وزارة الدفاع، فان ثمة اتفاقا بين المجتمعين على أن «الشراكة الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق تجعلنا جميعا أكثر أمنا؛ العراقيون والأمريكيون والحلفاء الإقليميون على حد سواء. كما اتفقوا على قيمة التحالف الدولي لهزيمة داعش والحاجة إلى دعم التحالف المستمر للعراق»!

ولكننا وجدنا رئيس مجلس النواب يضطر إلى التراجع عن تصريحات له لصحيفة الشرق الاوسط، والتي جاء فيها أن «الاقتراحات التي صدرت عن بعض الكتل النيابية بتقديم مشروع قانون يدعو لسحب القوات الأمريكية من العراق، طويت نهائيا»، وان توافقا قد جرى على ذلك بين الرئاسات الثلاثة (الجمهورية والنواب ومجلس الوزراء)، وبين الكتل السياسية والأحزاب! وأن المطالبة بسحب القوات الأمريكية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية من العراق يصب في مصلحة الإرهاب، وأن بقاء هذه القوات يمثل «ضمانة للعراق ويوفر غطاء سياسيا له في مواجهة التدخلات الاجنبية»! مع أن هذه التصريحات تحمل المعنى نفسه الذي ورد في خطابه في معهد السلام وصوت أمريكا والواشنطن بوست ولم يتم نفيها! ففي بيان أصدره المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب جاء حديث مرسل عن «تلاعب بالألفاظ واقتطاع مشوه وغير دقيق من سياق حديث شامل» قامت به الصحيفة، من دون أي تحديد لموضع هذا التلاعب والاقتطاع والتشويه، خاصة وان حديث رئيس مجلس النواب للصحيفة جاء بأكثر من 950 كلمة! ومن الواضح أن بيان النفي «الذي لم ينف شيئا» لما جاء في صحيفة الشرق الأوسط «العربية» دون غيرها، جاء لتخفيف الضغط على رئيس مجلس النواب بعد أن أثارت تصريحاته ردود فعل شديدة من التيار السياسي «الشيعي» المطالب بإخراج القوات الأمريكية من العراق!

كرديا، يبدو أنه ليس ثمة حساسية من الوجود الأمريكي في العراق، فقد حافظ الفاعلون السياسيون الكرد على موقف صريح ومعلن من هذه المسألة منذ الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003، وكان واضحا من تصريحات رئيس الجمهورية العراقية «الكردي» أن القرار الكردي هو مع بقاء القوات الأمريكية! ففي لقاء مع أسوشيتد برس بتاريخ 29 آذار/ مارس 2019 قال رئيس الجمهورية أنه «لا يرى أي معارضة جدية عندما يتعلق الأمر بوجود القوات الأمريكية في العراق طالما أنها موجودة من أجل المهمة المحددة المتمثلة في المساعدة في القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية»! وان ثمة «إجماعا عاما» على أن العراق يحتاج إلى تعاون مستمر مع هذه القوات ما دام ذلك ضروريا، وإلى أن تهديد داعش لم ينته بعد!

قلنا دائما ان لا منطق للدولة في العراق، وأن هذا الفشل في انتاج «رؤية الدولة» يظهر مع كل أزمة جوهرية جديدة، ويتمظهر هذا الفشل من خلال تعاطي القوى المختلفة مع هذه الأزمات من خلال مصالح الهويات الفرعية، القومية والمذهبية، للفاعلين السياسيين، ومحاولة كل طرف الحصول على مكاسب أكبر على حساب الآخر، بعيدا عن منطق الدولة، وبعيدا عن منطق المصالح المشتركة للعراقيين جميعا.

وقلنا أيضا أن الجماعات السياسية الرئيسية في العراق التي هيمنت على المشهد السياسي منذ نيسان 2003 حتى اللحظة، ومنذ نشأتها الأولى، تأسست على مقولات طائفية بحتة بوصفها مقولات سياسية، ومن ثم فهي بطبيعتها أحزاب «طائفية»، أي أنها لا يمكن إلا أن تكون أحزابا كردية أو احزابا شيعية أو أحزابا سنية! وبالتالي هي عاجزة من حيث المبدأ عن إنتاج «هوية وطنية جامعة»، وان أقصى ما يمكن ان تتوصل إليه هو إنتاج «هوية وطنية أحادية وقسرية» تعكس رؤية الفاعل السياسي «الطائفي» المهيمن، بالصيغة نفسها التي انتجت فيها الدولة العراقية بين عامي 1921 و2003 «هوية وطنية أحادية وقسرية» انتهت مع لحظة الاحتلال، وليس انتاج «هوية وطنية جامعة» متفق عليها بين العراقيين جميعا. إن هذه الحقائق جميعها لا يمكن إنكارها من خلال شعارات مجانية زائفة حول «قبر الطائفية» او «تجاوز الطائفية ونهايتها»، والمفارقة هنا أن القائلين بهذه الشعارات إنما وصلوا إلى مناصبهم وأسسوا وجودهم السياسي من خلال هذه الطائفية!

كاتب عراقي

نقلاً عن القدس العربي

كلمات مفتاحية:

تعليقات

أراء وأقوال

اشترك في النشرة البريدية لمجلة إيران بوست

بالتسجيل في هذا البريد الإلكتروني، أنتم توافقون على شروط استخدام الموقع. يمكنكم مغادرة قائمة المراسلات في أي وقت