الإثنين, 02 نوفمبر 2026
اخر تحديث للموقع : من الآن ساعة
المشرف العام
شريف عبد الحميد
الأخبار

إيران ومفارقة الاعتراف بالقوة... قراءة فلسفية في الصراع على المكانة والنفوذ الإقليمي

في العمق - جمال دملج | Mon, Nov 2, 2026 5:59 PM
الزيارات: 37
تلقّوا نشرتنا اليوميّة إلى بريدكم الإلكتروني

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في العلاقة بين القوة والاعتراف في السلوك الإقليمي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، انطلاقًا من سؤال يتجاوز التفسير الأمني التقليدي: هل تسعى طهران، من خلال توسيع نفوذها وتطوير أدوات الردع والقدرة على التأثير في ساحات إقليمية متعددة، إلى حماية مصالحها الاستراتيجية فحسب، أم أنها تسعى أيضًا إلى انتزاع اعتراف بمكانتها بوصفها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها في أي ترتيب أمني أو سياسي للشرق الأوسط؟

تنطلق الدراسة من فرضية أن السلوك الإيراني لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل يتشكل عند تقاطع ثلاثة مستويات: مقتضيات الأمن القومي، وطموح النفوذ الإقليمي، والرغبة في الاعتراف بالمكانة والدور. وتستعين الدراسة بمفهوم "الجزء الغضبي أو الاعتزازي" في تقسيم أفلاطون للنفس، وبجدلية الاعتراف لدى هيغل، لا بوصفهما نظريتين مباشرتين في العلاقات الدولية، بل إطارين فلسفيين يساعدان على فهم بعض دوافع السلوك السياسي وحدوده.

وتخلص الدراسة إلى أن القوة قد تفرض الحضور، وتُنتج الردع، وتمنح الدولة قدرة تفاوضية أكبر؛ لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج اعتراف متبادل ومستقر. فالاعتراف الذي يُنتزع بالخوف أو الإكراه يظل مختلفًا عن الاعتراف الذي يقوم على الثقة والقبول المتبادل واحترام السيادة. ومن هنا تبرز المفارقة الإيرانية: كلما اتسعت أدوات النفوذ، ازدادت قدرة طهران على التأثير في حسابات الآخرين، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها اقتربت بالقدر نفسه من الحصول على المكانة التي تطمح إليها.

مقدمة: حين تتحدث القوة بلغة الاعتراف

في 31 أكتوبر 2026، نقلت وسائل إعلام إيرانية بيانًا للمرشد الأعلى مجتبى خامنئي، دعا فيه القوات المسلحة إلى الرد الفوري والمؤثر على أي تهديد، من دون قيود جغرافية، مؤكدًا أن طهران ستحدد توقيت الرد وشروط انتهائه إذا استؤنفت الهجمات عليها. لم يكن البيان مجرد تحذير عسكري في سياق توتر إقليمي؛ فقد جاء متزامنًا مع تحركات دبلوماسية تقودها قطر، ومع تقارير عن رسائل واتصالات غير مباشرة بين واشنطن وطهران سعيًا إلى منع تجدد المواجهة.

تكشف هذه المفارقة بين التهديد العسكري والانفتاح الدبلوماسي عن جانب أساسي من معضلة السياسة الإيرانية: كيف يمكن لدولة أن تؤكد قدرتها على المواجهة، وفي الوقت نفسه تسعى إلى الاعتراف بدورها في صياغة التسويات الإقليمية؟ وهل يكفي امتلاك أدوات التأثير والقدرة على تعطيل مصالح الخصوم كي تتحول الدولة إلى قوة تحظى بمكانة مقبولة ومستقرة في النظام الإقليمي؟

لا يتعلق السؤال هنا بإنكار حق إيران في الدفاع عن أمنها أو مصالحها، ولا بتجاهل ما تعرضت له من عقوبات وتهديدات وضربات عسكرية. فالدول، بصرف النظر عن أنظمتها السياسية، تمتلك حقًا أصيلًا في السيادة والدفاع عن أراضيها. لكن هذا الحق لا يحسم تلقائيًا مشروعية كل وسيلة تُستخدم لتحقيق الأمن، ولا يمنح أي دولة تفويضًا مفتوحًا للتدخل في شؤون جيرانها أو التأثير في قراراتهم السيادية.

كذلك، ينبغي التمييز بين أربعة مفاهيم كثيرًا ما تختلط في النقاش حول إيران: الاعتراف بإيران دولةً ذات سيادة وحقوق وطنية؛ والاعتراف بشرعية النظام السياسي القائم فيها؛ والاعتراف بقدرتها العسكرية والاستراتيجية؛ والقبول بنفوذها في دول ومجتمعات أخرى. فهذه مستويات مختلفة، ولا يؤدي التسليم بأحدها إلى التسليم بالبقية.

تنطلق الدراسة من فرضية أن جزءًا من السلوك الإيراني يمكن فهمه بوصفه محاولة للجمع بين الأمن والهيبة والمكانة. غير أن هذا الجمع قد يتحول إلى مأزق حين تصبح أدوات القوة، التي يُفترض أن تحمي الدولة وتدعم موقعها، سببًا إضافيًا في إثارة مخاوف الآخرين وتعميق عزلتها أو دفعهم إلى بناء تحالفات لموازنتها.

ومن أجل اختبار هذه الفرضية، تستعين الدراسة بمقاربتين فلسفيتين: تقسيم أفلاطون للنفس إلى عقل وجزء غضبي وجزء شهواني، وجدلية الاعتراف عند هيغل. ثم تنتقل إلى التجربة الإيرانية منذ ثورة 1979، مرورًا ببناء أدوات النفوذ الإقليمي، وصولًا إلى التوتر مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلاقة النظام الإيراني بالمجتمع الإيراني نفسه.

الفصل الأول: أفلاطون وثلاثية الدوافع – العقل والاعتزاز والرغبة

في الكتاب الرابع من "الجمهورية"، يقدّم أفلاطون تصوره الشهير للنفس الإنسانية بوصفها مؤلفة من ثلاثة أجزاء: الجزء العاقل، والجزء الغضبي أو الاعتزازي، والجزء الشهواني أو الراغب. ولا يقصد بهذا التقسيم مجرد توزيع المشاعر البشرية على خانات منفصلة، بل محاولة تفسير الصراع الداخلي الذي ينشأ عندما تتعارض الرغبات والمصالح والانفعالات مع ما يدركه العقل باعتباره الأفضل للإنسان ككل.

فالجزء العاقل يتجه إلى المعرفة والحكمة وتقدير المصلحة العامة، بينما يرتبط الجزء الشهواني بالرغبات والمنافع المباشرة، من قبيل المال واللذة والمكاسب المادية. أما الجزء الغضبي، الذي يُشار إليه أحيانًا بمفهوم "ثيموس" (Thymos)، فيرتبط بالشجاعة والكرامة والاعتزاز وطلب الشرف والاعتراف، وبالغضب حين يشعر الإنسان بأن مكانته أو كرامته قد تعرضتا للإهانة.

ولا يرى أفلاطون أن وجود هذا الجزء الاعتزازي شرّ في ذاته؛ إذ يمكن أن يكون حليفًا للعقل، وأن يمنح الإنسان الشجاعة والثبات في مواجهة الظلم والخوف. لكن المشكلة تظهر عندما ينفصل عن العقل، أو يتحول طلب الكرامة إلى اندفاع لا يراعي العواقب. فالعدالة، في التصور الأفلاطوني، تتحقق عندما يؤدي كل جزء وظيفته في انسجام، ويكون العقل هو القائد الذي يضبط التوازن بين القوى المختلفة.

تكتسب هذه الفكرة أهميتها بالنسبة إلى موضوع الدراسة لأنها تتيح لنا طرح سؤال تحليلي: هل يمكن أن يتضمن سلوك الدولة، على مستوى القيادة والخطاب السياسي، تفاعلًا بين حسابات الأمن والمصلحة، والرغبة في المكاسب، والحاجة إلى إثبات المكانة والكرامة؟

ينبغي هنا التشديد على أن أفلاطون كان يتحدث عن النفس الإنسانية، لا عن الدول أو الأنظمة السياسية. لذلك لا يجوز التعامل مع الجمهورية الإسلامية وكأنها شخص يمتلك نفسًا واحدة، ولا إسناد دوافع نفسية موحدة إلى مجتمع كامل. ما يمكن فعله هو استخدام التقسيم بوصفه أداة تشبيهية محدودة لفحص الخطاب السياسي وآليات اتخاذ القرار.

في الحالة الإيرانية، يمكن النظر إلى البعد العقلاني من خلال اعتبارات بقاء الدولة، وأمن حدودها، وحماية منشآتها، وتجنب التفوق العسكري المطلق لخصومها. ويمكن رصد البعد الاعتزازي في الخطاب المتكرر عن الكرامة الوطنية، ورفض الإملاءات الخارجية، واستعادة المكانة التاريخية، وعدم قبول التعامل مع إيران بوصفها دولة يمكن إخضاعها أو تجاهلها.

أما البعد المرتبط بالمصلحة المباشرة، فيظهر في الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية، وفي السعي إلى تأمين طرق التجارة والطاقة، وتوسيع هامش المناورة، وتقليص قدرة الخصوم على الضغط على طهران.

لكن السؤال الحاسم هو: أيّ هذه الدوافع يتقدم حين تتعارض؟ هل تتراجع اعتبارات المكانة عندما تصبح كلفة المواجهة مرتفعة؟ وهل تُقدّم حسابات الأمن والاستقرار على الرغبة في إظهار القدرة على الرد؟ أم أن إثبات القوة قد يتحول، في بعض الظروف، إلى هدف قائم بذاته، حتى عندما تصبح نتائجه متعارضة مع المصالح الوطنية الأوسع؟

إن فائدة المقاربة الأفلاطونية تكمن في أنها تنبهنا إلى ضرورة التمييز بين امتلاك القوة وحسن توجيهها. فالقوة التي لا تخضع لحسابات العقل والمصلحة العامة قد تنقلب من وسيلة لحماية الدولة إلى عبء يستهلك مواردها ويضيّق خياراتها.

الفصل الثاني: هيغل وجدلية الاعتراف – لماذا لا تكفي القوة وحدها؟

إذا كان أفلاطون يساعدنا على فهم التوتر بين دوافع الفعل، فإن هيغل يفتح بابًا آخر لفهم العلاقة بين الذات والآخر، وبين إثبات الوجود والحصول على الاعتراف.

في "فينومينولوجيا الروح" الصادرة عام 1807، يتناول هيغل مسألة الوعي بالذات، ويبيّن أن هذا الوعي لا يكتمل في عزلة مطلقة، بل يتطلب علاقة مع وعي آخر يعترف بالذات بوصفها ذاتًا مستقلة. فالإنسان لا يكتفي بأن يعرف نفسه؛ إنه يحتاج أيضًا إلى أن يُعترف به من طرف آخر قادر بدوره على الاعتراف.

ومن هنا تنشأ جدلية الاعتراف، التي تتجلى في المقطع الشهير المعروف بجدلية السيّد والعبد أو السيادة والعبودية. ففي الصراع بين وعيين يطلب كل منهما الاعتراف من الآخر، يمكن أن ينتهي الأمر إلى علاقة غير متكافئة، يخضع فيها أحد الطرفين للآخر. لكن هذا الانتصار لا يحل المشكلة نهائيًا؛ لأن الاعتراف الصادر عن طرف خاضع لا يحقق بالضرورة الاعتراف الحر والمتبادل الذي كان الطرف المنتصر يسعى إليه.

وبذلك تكشف الجدلية عن مفارقة عميقة: يستطيع الإكراه أن يفرض الطاعة، لكنه لا يستطيع أن يضمن الاعتراف المتبادل. فالسيطرة قد تنتج امتثالًا، والخوف قد ينتج صمتًا، والهزيمة قد تنتج انسحابًا مؤقتًا؛ لكن أيًا من ذلك لا يساوي بالضرورة قبولًا حرًا بمكانة الطرف الأقوى.

هذه الفكرة تتيح لنا قراءة أحد أوجه السياسة الإيرانية من زاوية مختلفة. فطهران لا تسعى فقط إلى امتلاك أدوات عسكرية أو إلى منع خصومها من مهاجمتها؛ إنها تريد أيضًا أن تُعامل بوصفها طرفًا لا يمكن تجاوزه في ترتيبات المنطقة. وتريد أن يكون لها موقع في أي نقاش يتعلق بأمن الخليج، والعراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، والممرات البحرية، والتوازنات مع إسرائيل والولايات المتحدة.

لكن امتلاك القدرة على تعطيل التسويات أو التأثير في مسارات الصراع لا يعني أن الآخرين يعترفون تلقائيًا بشرعية الدور الإيراني أو يقبلون حدود نفوذه. وقد يضطرون إلى التفاوض مع طهران لأن تجاهلها غير ممكن، من دون أن يعني ذلك أنهم ينظرون إلى نفوذها باعتباره مشروعًا أو مرغوبًا فيه.

وهنا يظهر الفرق بين ثلاثة مستويات:

الأول، الاعتراف الواقعي: الإقرار بأن إيران تمتلك قدرات عسكرية وسياسية تجعل تجاهلها مستحيلًا.

الثاني، الاعتراف التفاوضي: التعامل معها طرفًا مؤثرًا لا بد من إدخاله في الحسابات أو المفاوضات.

الثالث، الاعتراف المتبادل بالمكانة: قبول دورها الإقليمي ضمن قواعد واضحة تحترم سيادة الدول الأخرى وتسمح بتعايش المصالح المختلفة.

قد تحقق القوة المستويين الأول والثاني بدرجات متفاوتة، لكنها لا تضمن الثالث. بل قد تؤدي المبالغة في استخدامها إلى تحويل الرغبة في الاعتراف إلى مصدر دائم للريبة والرفض.

ولا ينبغي أن نحمّل هيغل أكثر مما تحتمل نظريته. فهو لم يضع نظرية جاهزة للعلاقات بين الدول، ولم يصف السياسة الدولية بوصفها نسخة حرفية من صراع فردين. إنما نستفيد من منطقه الفلسفي لفهم أن الاعتراف المستقر لا ينشأ من طرف واحد، وأن العلاقة التي تقوم على الإكراه وحده تبقى ناقصة وقابلة للانفجار.

الفصل الثالث: من الثورة إلى الدولة – ازدواجية الهوية الإيرانية

لا يمكن فهم السياسة الإقليمية الإيرانية من دون العودة إلى ثورة عام 1979، التي لم تكن مجرد تغيير في رأس السلطة، بل أحدثت تحولًا في تعريف الدولة لدورها وهويتها وموقعها في العالم.

أقامت الثورة نظامًا سياسيًا يستند إلى شرعية دينية وثورية، وأدخلت في بنيته تصورًا يتجاوز حدود الدولة الوطنية التقليدية، من خلال خطاب نصرة المستضعفين ومناهضة الهيمنة الغربية ودعم حركات المقاومة. وبهذا المعنى، نشأت منذ البداية علاقة مركبة بين مفهوم الدولة، الذي يقتضي حماية الحدود والمصالح الوطنية، ومفهوم الثورة، الذي يطمح إلى نشر نموذج سياسي وفكري خارج الحدود.

لم تكن هذه الازدواجية مجرد شعار أيديولوجي. فقد انعكست على المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية، وعلى طريقة تعريف التهديدات والفرص. وفي هذا السياق برز الحرس الثوري الإيراني بوصفه مؤسسة عسكرية وأمنية موازية للجيش النظامي، ثم اتسع دوره ليشمل مجالات سياسية واقتصادية وأمنية. وأصبحت في داخله قوة القدس المعنية بالعمليات الخارجية وبناء العلاقات مع جماعات مسلحة وحلفاء إقليميين.

لكن من الضروري تجنب اختزال السياسة الإيرانية في الحرس الثوري وحده؛ فصنع القرار في الجمهورية الإسلامية يتأثر بمؤسسات متعددة، وبموازين القوى بين المرشد والرئاسة ومجلس الأمن القومي والمؤسسات العسكرية والسياسية، فضلًا عن الحسابات الاقتصادية والاجتماعية. كما أن دور الحرس الثوري لا يلغي وجود نقاشات وتباينات داخل النخبة الإيرانية حول كلفة الانخراط الإقليمي وحدوده.

ويشير تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي إلى أن الحرس الثوري يضطلع بدور رئيسي في تنسيق دعم إيران لجماعات إقليمية، وأن قوة القدس تمثل الذراع المعنية بالأنشطة الخارجية. لكنه يلفت أيضًا إلى اختلاف طبيعة العلاقات بين طهران وهذه الجماعات، وإلى أن بعضها يمتلك جذورًا محلية ومصالح مستقلة ودرجات متفاوتة من الاستقلالية في القرار.

وهذه النقطة بالغة الأهمية؛ لأن وصف كل الجماعات المرتبطة بإيران بأنها مجرد أدوات تنفذ أوامر مركزية مباشرة لا يعكس بالضرورة تعقيد الواقع. فالعلاقة قد تتراوح بين التحالف الأيديولوجي، والدعم العسكري والمالي، والتنسيق الاستراتيجي، والاعتماد المتبادل، والارتباط العملياتي. كما أن الجماعات المحلية لا تفقد بالضرورة حساباتها الخاصة لمجرد تلقيها دعمًا من الخارج.

من هنا يمكن القول إن إيران سعت إلى بناء عمق استراتيجي يتجاوز حدودها، مستفيدة من علاقات مع قوى سياسية ومسلحة في دول مختلفة. وقد منحها ذلك قدرة على توسيع مجال تأثيرها، وعلى جعل خصومها يواجهون شبكة من التحديات بدلًا من مواجهة الدولة الإيرانية وحدها.

غير أن هذا النموذج حمل معه مشكلة بنيوية: كلما ارتبط أمن إيران بفاعلين مسلحين خارج حدودها، ازدادت صعوبة الفصل بين الدفاع عن المصالح الإيرانية وبين التأثير في سيادة الدول التي تنشط فيها تلك القوى.

وهكذا تحولت ازدواجية الدولة والثورة إلى معضلة مستمرة: كيف تحافظ إيران على هويتها الثورية ودورها الإقليمي، من دون أن تجعل ذلك على حساب متطلبات الدولة الطبيعية، من استقرار اقتصادي، وعلاقات متوازنة، واحترام متبادل للسيادة؟

الفصل الرابع: تصدير الثورة وشبكات النفوذ – بين التحالف والاستقلال المحلي

شكّل لبنان إحدى أبرز ساحات ظهور النفوذ الإيراني خارج الحدود، لكن نشأة حزب الله لا يمكن اختزالها في قرار إيراني منفرد أو في عامل خارجي واحد. فقد تداخلت في ظروف تأسيسه عوامل لبنانية داخلية، وواقع اجتماعي وسياسي للطائفة الشيعية، والاجتياح الإسرائيلي عام 1982، والوجود العسكري السوري، فضلًا عن الدعم الإيراني الأيديولوجي والمالي والعسكري والتدريبي.

أدى هذا التداخل إلى نشوء علاقة وثيقة بين طهران وحزب الله، أصبحت مع مرور الوقت إحدى أهم أدوات النفوذ الإيراني في شرق المتوسط. ولم يكن الحزب مجرد تنظيم عسكري؛ فقد تحول إلى فاعل سياسي واجتماعي واسع التأثير داخل لبنان، الأمر الذي جعل العلاقة بينه وبين إيران تتجاوز الدعم العسكري إلى شراكة استراتيجية ذات أبعاد إقليمية.

وفي العراق، أتاح سقوط نظام صدام حسين عام 2003 وتفكك جانب كبير من مؤسسات الدولة السابقة لإيران فرصة لتوسيع علاقاتها السياسية والأمنية. غير أن النفوذ الإيراني هناك لم ينشأ في فراغ؛ فقد تفاعل مع صعود قوى سياسية عراقية، ومع الانقسامات الداخلية، ومع وجود مؤسسات دستورية وأجهزة أمنية وتيارات وطنية لا يمكن اختزالها في اتجاه واحد.

أما في سوريا، فقد اتسع الدور الإيراني مع اندلاع الحرب عام 2011، من خلال دعم نظام بشار الأسد وإسناده عسكريًا وسياسيًا، بالتعاون مع حلفاء محليين وإقليميين. وفي اليمن، ارتبطت علاقة إيران بحركة أنصار الله بمسارات سياسية وعسكرية يمنية معقدة، ولا يجوز تفسير الحرب اليمنية كلها باعتبارها مجرد امتداد مباشر للصراع الإيراني السعودي.

تصف بعض الدراسات هذه الشبكة بأنها "محور المقاومة"، فيما تستخدم تقارير غربية تعبيرات مثل "الشبكة المسلحة الإيرانية" أو "الوكلاء". لكن هذه المصطلحات لا ينبغي أن تحجب الفوارق بين الحالات. فالعلاقة بين إيران وحزب الله ليست مطابقة لعلاقتها بجماعات عراقية، كما أن ظروف اليمن تختلف عن ظروف سوريا ولبنان.

وتشير خدمة أبحاث الكونغرس إلى أن الجماعات المدعومة من إيران تختلف في دوافعها وقدراتها، وأن علاقاتها بطهران تتضمن درجات متفاوتة من التعاون والاستقلال. كما يصف تقييم الاستخبارات الأميركية لعام 2025 ما يسمى "محور المقاومة" بأنه تجمع مرن لقوى متقاربة في التوجه، وليس بالضرورة بنية موحدة تتحرك دائمًا وفق قيادة مركزية واحدة.

وتضيف دراسة نشرها مركز "بلفر" في أبريل 2026 أن النموذج الإيراني القائم على دعم فاعلين مسلحين غير دولتيين واجه تراجعًا وضغوطًا بعد التحولات العسكرية التي شهدتها المنطقة، وأن قدرة هذه الشبكة على العمل وفق الصيغة السابقة باتت موضع اختبار.

من الناحية الاستراتيجية، مكّن هذا النموذج إيران من توسيع نطاق تأثيرها، وتوزيع بعض أعباء المواجهة، وامتلاك أوراق تفاوضية خارج حدودها. لكنه جعلها أيضًا عرضة لاتهامات التدخل في شؤون الدول الأخرى، وربطها بصراعات محلية قد لا تتطابق دائمًا مع أولوياتها الوطنية.

وهنا تبرز مفارقة النفوذ: قد تكسب الدولة قدرة على التأثير في قرار دولة أخرى، لكنها تخسر في الوقت نفسه جزءًا من الثقة التي تحتاج إليها لبناء علاقات مستقرة معها. وقد يصبح النفوذ، بدلًا من أن يكون جسرًا إلى الاعتراف، سببًا في رفضه.

والسؤال الأهم ليس ما إذا كانت إيران قادرة على التأثير في هذه الساحات؛ فذلك ثابت بدرجات متفاوتة. بل ما إذا كان هذا التأثير قد أسهم في بناء نظام إقليمي أكثر استقرارًا، أم أنه عمّق منطق الصراعات المتداخلة، وأضعف قدرة الدول على احتكار قرار الحرب والسلم داخل حدودها.

الفصل الخامس: إيران والولايات المتحدة وإسرائيل – الأمن والردع وحدود المكانة

لا يمكن تناول سعي إيران إلى المكانة الإقليمية بمعزل عن البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها. فالولايات المتحدة تمتلك حضورًا عسكريًا واسعًا في المنطقة، وإسرائيل تمثل قوة عسكرية متقدمة، كما أن دول الخليج تملك مصالح أمنية واقتصادية مباشرة تتأثر بأي تصعيد في الخليج أو في الممرات البحرية.

من وجهة النظر الإيرانية، تشكل هذه البيئة مصدر تهديد دائم، خصوصًا في ضوء العقوبات والتهديدات العسكرية والضربات التي تعرضت لها منشآت أو مواقع إيرانية. ومن الطبيعي أن تسعى أي دولة في مثل هذه الظروف إلى تطوير وسائل ردع تمنع خصومها من الاعتقاد بأن مهاجمتها ستكون عملية قليلة الكلفة.

لكن الردع لا يساوي بالضرورة الهيمنة، كما أن الدفاع عن السيادة لا يمنح حقًا مفتوحًا في المساس بسيادة الآخرين. وهذه قاعدة ينبغي تطبيقها على جميع الأطراف، لا على إيران وحدها.

فكما لا يمكن تبرير أي تدخل إيراني في دولة أخرى بمجرد الاستناد إلى خطاب المقاومة أو الأمن القومي، لا يمكن تبرير الضربات الإسرائيلية أو الأميركية في أراضي دول أخرى بمجرد الادعاء بوجود تهديد. وتظل قواعد القانون الدولي، ومبادئ السيادة وعدم استخدام القوة، والتمييز بين الدفاع المشروع والعدوان، معايير لا يجوز تعليقها وفق هوية الطرف المعني.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن إيران استخدمت شبكة من العلاقات مع قوى مسلحة إقليمية لتوسيع نطاق قدرتها على الردع. وقد أدى ذلك إلى توسيع دائرة التهديدات التي تواجه إسرائيل والولايات المتحدة، لكنه أدى أيضًا إلى جعل دول أخرى، ولا سيما دول الخليج، تشعر بأنها قد تتحمل كلفة المواجهة حتى من دون أن تكون طرفًا مباشرًا فيها.

وقد أظهرت التحركات الدبلوماسية في نهاية أكتوبر 2026 هذه المعضلة بوضوح. فالتقارير عن عودة الوسطاء القطريين إلى طهران، وعن اتصالات مرتبطة برسالة من نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى المسؤول الأمني الإيراني محسن رضائي، تزامنت مع تصريحات إيرانية تتحدث عن رد غير محدود جغرافيًا في حال استئناف الهجمات. وفي الوقت نفسه، أفادت رويترز بأن المفاوضين الإيرانيين التقوا الوسطاء القطريين في الدوحة، في محاولة لإيجاد مخرج من الحرب والتصعيد.

ولا بد من التنبيه إلى أن نص الرسالة الأميركية لم يُنشر كاملًا، وأن ما نُقل عن مضمونها استند إلى تقارير إعلامية ومصادر مطلعة. كما أن تصريحات المسؤولين الإيرانيين بشأنها لا تشكل، بمفردها، دليلًا على وجود اتفاق أو تفاهم نهائي.

تكشف هذه التطورات عن أن القوة العسكرية لا تلغي الحاجة إلى الدبلوماسية، بل قد تجعلها أكثر إلحاحًا. فالدولة التي تمتلك القدرة على إلحاق الأذى بخصومها لا تستطيع بالضرورة تحويل هذه القدرة إلى تسوية مستقرة، ما لم تقبل بقواعد تفاوضية متبادلة وتطمئن الأطراف الأخرى إلى أن أمنها لن يكون رهينة لمعادلات الإكراه.

وهنا تتحدد حدود الردع: يستطيع أن يمنع الحرب أو يؤخرها، لكنه لا يستطيع وحده أن يبني سلامًا. فالسلام يحتاج إلى تفاهمات، وضمانات، ومصالح متبادلة، وآليات تحقق، وقبول بأن أمن دولة لا يمكن أن يقوم على إلغاء أمن جيرانها.

الفصل السادس: مفارقة الاعتراف بالقوة – الحضور ليس قبولًا

تتضح المفارقة المركزية في التجربة الإيرانية عندما نميز بين القدرة على فرض الحضور والقدرة على الحصول على الاعتراف.

لقد نجحت إيران، خلال عقود، في بناء أدوات عسكرية وسياسية جعلتها طرفًا مؤثرًا في ملفات إقليمية عديدة. وأصبحت قضايا مثل أمن الخليج، ومستقبل العراق، والتوازنات في لبنان، والحرب في سوريا واليمن، والعلاقة مع إسرائيل، يصعب بحثها من دون أخذ الدور الإيراني في الحسبان.

لكن هذه المكانة الواقعية لا تعني أن دول المنطقة تقبل تلقائيًا حدود النفوذ الإيراني أو أساليبه. فهناك فرق بين أن تتفاوض دولة مع إيران لأنها لا تستطيع تجاهلها، وبين أن تقبل بتدخلها في خياراتها السيادية. وهناك فرق بين أن تعترف واشنطن بقدرة طهران على تعطيل مصالحها، وبين أن تعتبر سياساتها الإقليمية مشروعة أو مرغوبة.

يمكن للقوة أن تنتج أربعة آثار مختلفة:

أولًا: الحضور.

تجعل القوة الدولة مرئية في حسابات الآخرين، وتمنحها القدرة على التأثير في مسارات الأحداث.

ثانيًا: الردع.

ترفع كلفة مهاجمة الدولة أو تجاوز مصالحها، وتدفع الخصوم إلى إعادة حساباتهم.

ثالثًا: النفوذ التفاوضي.

تمنح الدولة أوراقًا يمكن استخدامها للحصول على تنازلات أو ضمانات أو مقعد في المفاوضات.

رابعًا: الاعتراف بالمكانة.

يتطلب هذا المستوى قبولًا أوسع بدور الدولة، وبقواعد تحكم سلوكها، وبحق الأطراف الأخرى في الأمن والسيادة.

ولا تنتج المستويات الثلاثة الأولى المستوى الرابع بصورة آلية. بل قد تؤدي المبالغة في استخدام أدوات القوة إلى نتائج معاكسة: توسع التحالفات المضادة، وزيادة الإنفاق العسكري، وتراجع الثقة، وارتفاع كلفة العقوبات والعزلة، وتزايد المخاوف من أن يكون النفوذ الإيراني مشروعًا مفتوحًا لا يعرف حدودًا.

ومن هنا يمكن فهم "مفارقة الاعتراف بالقوة" باعتبارها حالة تستطيع فيها الدولة أن تفرض على الآخرين الاعتراف بوجودها وقدرتها، لكنها لا تنجح بالقدر نفسه في إقناعهم بقبول الدور الذي تريد أن تؤديه.

إن الاعتراف القائم على الخوف يظل هشًا؛ لأنه يتغير بتغير موازين القوى. أما الاعتراف القائم على قواعد مشتركة ومصالح متبادلة، فيمتلك فرصًا أكبر للاستمرار حتى عندما تتبدل الحكومات أو تتراجع القدرات العسكرية.

وبذلك لا يكون السؤال: هل تمتلك إيران القوة؟ بل: ماذا تريد أن تحقق بهذه القوة؟ وهل تسعى إلى بناء موقع إقليمي معترف به ضمن نظام من الدول ذات السيادة، أم إلى تثبيت نفوذ يجعل الآخرين مضطرين إلى التكيف مع قراراتها؟

إن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين القوة بوصفها وسيلة، والقوة بوصفها غاية.

الفصل السابع: إيران بين الدولة والمجتمع – من يمثل من؟

من الأخطاء المنهجية والسياسية التعامل مع إيران باعتبارها كتلة واحدة متجانسة، أو الخلط بين الدولة والمجتمع والنظام السياسي. فإيران ليست نظامها السياسي وحده، وليست مؤسساتها العسكرية والأمنية فقط؛ إنها أيضًا مجتمع واسع ومتعدد الاتجاهات، وبلد ذو تاريخ وثقافة وهوية وطنية عميقة.

وقد تختلف تطلعات الإيرانيين بشأن موقع بلادهم في العالم عن أولويات المؤسسة الحاكمة أو بعض مراكز القرار فيها. فهناك من يرى أن قوة إيران ومكانتها ترتبطان بالاستقلال الوطني والقدرة على حماية السيادة، وهناك من يضع تحسين مستوى المعيشة، والفرص الاقتصادية، والانفتاح على العالم، في مقدمة الأولويات. وقد تجتمع هذه المطالب لدى الشخص نفسه من دون أن تكون متناقضة بالضرورة.

لذلك لا يصح افتراض أن المجتمع الإيراني يتبنى موقفًا واحدًا من السياسة الخارجية، كما لا يصح اعتبار كل نقد للنظام السياسي موقفًا معاديًا لإيران أو لهويتها الوطنية.

ومن المهم كذلك التمييز بين الاعتراف بحقوق إيران الوطنية، بما فيها حقها في الأمن والتنمية والاستقلال، وبين تأييد سياسات حكومتها أو قبول نفوذها الخارجي. فالدفاع عن سيادة إيران لا يقتضي تبرير كل قراراتها، مثلما أن الاعتراض على سياسات النظام لا يبرر استهداف المجتمع الإيراني أو إنكار حقوقه.

هذا التمييز ليس مجرد مسألة لغوية؛ إنه شرط لأي تصور واقعي لتسوية مستقبلية. فإذا اختُزلت إيران في نظامها، أصبحت كل خلافات السياسة الخارجية مواجهة وجودية معها. وإذا اختُزل النظام في المجتمع، أصبح نقد سياساته اعتداءً على شعب كامل. وكلا الاختزالين يعيق الوصول إلى مقاربة متوازنة.

إن المكانة الدولية المستقرة لا تُقاس فقط بقدرة الدولة على إظهار القوة في الخارج، بل أيضًا بقدرتها على توفير الاستقرار والازدهار والكرامة لمواطنيها. فالقوة التي لا تنعكس إيجابًا على المجتمع قد تتحول إلى عبء داخلي، حتى لو حققت مكاسب تكتيكية في ساحات خارجية.

ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال عن الاعتراف بإيران مرتبطًا أيضًا بسؤال آخر: أي صورة تريد إيران أن تقدمها عن نفسها للعالم؟ صورة دولة تمتلك تاريخًا وثقافة ومصالح وطنية وتطمح إلى علاقات متوازنة، أم صورة نظام يرى أن الحفاظ على نفوذه الخارجي شرط دائم لبقاء مكانته؟

ليس من الضروري أن يكون الاختيار بين الصورتين حتميًا. لكن تجاوزه يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والثورة، وبين الأمن والمجتمع، وبين النفوذ والمصلحة الوطنية.

الفصل الثامن: نحو اعتراف متبادل – من فرض المكانة إلى بناء الثقة

إذا كانت مفارقة الاعتراف بالقوة تكمن في أن الإكراه لا يضمن القبول، فإن تجاوزها لا يتطلب من إيران التخلي عن مصالحها الأمنية أو عن حقها في الدفاع عن نفسها. بل يتطلب إعادة النظر في الطريقة التي تُدار بها هذه المصالح، وفي العلاقة بين أدوات القوة والنتائج السياسية المراد تحقيقها.

يمكن تحديد عدد من المؤشرات العملية التي تسمح بقياس ما إذا كانت طهران تتجه نحو تحويل نفوذها إلى مكانة إقليمية مقبولة:

أولًا، احترام سيادة الدول: الانتقال من منطق التأثير في القرارات الداخلية للدول الأخرى إلى علاقات تقوم على الاعتراف باستقلال مؤسساتها وحقها في احتكار قرار الحرب والسلم.

ثانيًا، وضوح العلاقة مع القوى المسلحة الحليفة: وضع حدود سياسية وقانونية واضحة للدعم العسكري، بحيث لا يتحول إلى وسيلة لتقويض مؤسسات الدولة أو تجاوز سلطتها الشرعية.

ثالثًا، القبول بالأمن المتبادل: الاعتراف بأن أمن إيران لا يمكن أن يتحقق بصورة مستدامة على حساب أمن دول الخليج أو العراق أو لبنان أو غيرها من دول المنطقة.

رابعًا، تغليب الدبلوماسية على التصعيد الدائم: استخدام القدرة العسكرية بوصفها عنصر ردع في خدمة تسوية سياسية، لا باعتبارها لغة دائمة للعلاقات الخارجية.

خامسًا، معالجة الملفات الخلافية ضمن قواعد قابلة للتحقق: سواء تعلق الأمر بالبرنامج النووي أو الصواريخ أو الملاحة في الخليج أو العلاقات مع الجماعات المسلحة، فإن الاتفاقات المستقرة تحتاج إلى التزامات واضحة وآليات مراقبة وتحقق متبادل.

سادسًا، الفصل بين الحقوق الوطنية والامتداد الأيديولوجي: تأكيد حق إيران في الاستقلال والتنمية والاحترام، من دون تحويل هذا الحق إلى مبرر لتجاوز الحدود السياسية للدول الأخرى.

ولا تقع المسؤولية على إيران وحدها. فالاعتراف المتبادل لا يمكن أن يكون عملية أحادية الجانب، ولا يمكن أن ينجح إذا استمرت الأطراف الأخرى في التعامل مع إيران باعتبارها كيانًا لا يمتلك حقوقًا أمنية مشروعة. كما أن التهديدات العسكرية والضربات والعقوبات غير المتناسبة قد تعزز داخل إيران الشعور بأن القوة هي الضمان الوحيد للبقاء.

لكن الاعتراف بمخاوف إيران لا يعني منحها حقًا في فرض مخاوفها على الآخرين. فالمعادلة المتوازنة تقتضي أن تقبل واشنطن وتل أبيب ودول المنطقة بحق إيران في الأمن والسيادة، وأن تقبل طهران في المقابل بالحقوق ذاتها لجيرانها.

إن بناء نظام إقليمي أكثر استقرارًا يتطلب الانتقال من معادلة "من يستطيع فرض إرادته؟" إلى سؤال "كيف يمكن تنظيم المصالح المتعارضة من دون تحويلها إلى صراع دائم؟".

وهذا لا يعني تجاهل موازين القوى، بل إدراك أن القوة لا تصبح مصدر استقرار إلا عندما تُحكم بقواعد، وأن الردع لا يتحول إلى سلام إلا عندما تتوافر قنوات اتصال وضمانات وتفاهمات متبادلة.

الخاتمة: القوة التي تفرض الحضور لا تضمن الاعتراف

تكشف القراءة الفلسفية والسياسية للتجربة الإيرانية أن السعي إلى المكانة الإقليمية لا ينفصل عن اعتبارات الأمن والذاكرة التاريخية والهوية الثورية والرغبة في الاعتراف. فقد سعت الجمهورية الإسلامية، منذ عام 1979، إلى بناء موقع يتجاوز حدود الدولة التقليدية، مستخدمة مزيجًا من أدوات القوة العسكرية والدبلوماسية والتحالفات السياسية والعلاقات مع فاعلين مسلحين خارج حدودها.

وقد نجحت هذه الاستراتيجية في منح طهران حضورًا مؤثرًا في عدد من الملفات الإقليمية، وفي جعلها طرفًا لا يمكن تجاهله في حسابات الخصوم والحلفاء على السواء. لكنها لم تضمن لها بالضرورة قبولًا مستقرًا بنفوذها أو اعترافًا متبادلًا بمكانتها.

ومن هنا تلتقي الدلالتان الفلسفيتان اللتان انطلقت منهما الدراسة. فأفلاطون يذكّرنا بأن القوة الاعتزازية، حين تنفصل عن العقل وضبط المصلحة، قد تتحول إلى اندفاع يضر بالكل الذي يُفترض أن تحميه. وهيغل يبيّن أن الاعتراف الذي يُنتزع بالإكراه لا يساوي الاعتراف المتبادل بين ذوات حرة ومستقلة.

ولا يعني ذلك أن السياسة الدولية يمكن تفسيرها بالكامل من خلال علم النفس الفلسفي، أو أن الدول تتصرف كأفراد يخوضون صراعًا نفسيًا واحدًا. بل إن قيمة المقاربتين تكمن في إضاءة جانب من العلاقة بين الرغبة في المكانة، واستخدام القوة، وحدود الإكراه.

إن المفارقة الإيرانية ليست في نقص القوة بقدر ما تكمن في صعوبة تحويل القوة إلى اعتراف مستقر. فقد تستطيع إيران أن تجعل خصومها يحسبون حسابها، وأن تفرض حضورها على طاولة المفاوضات، وأن ترفع كلفة تجاهل مصالحها. لكن ذلك لا يضمن أن ينظر إليها جيرانها بوصفها شريكًا موثوقًا، أو أن يقبلوا بنفوذها باعتباره جزءًا مشروعًا من نظام إقليمي متوازن.

وفي المقابل، لا يمكن بناء استقرار دائم في الشرق الأوسط من خلال إنكار دور إيران أو السعي إلى إخضاعها أو تجاهل مصالحها الوطنية. فالسلام لا يقوم على إلغاء أحد أطراف المعادلة، بل على تنظيم العلاقة بين أطرافها وفق قواعد تحترم السيادة والأمن المتبادل.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن تواجهه طهران في المرحلة المقبلة ليس ما إذا كانت قادرة على الرد على أي تهديد "من دون حدود جغرافية"، بل ما إذا كانت قادرة على بناء علاقات تجعل الحاجة إلى ذلك الرد أقل إلحاحًا، وتجعل الاعتراف بمكانتها نتيجةً للثقة والاحترام، لا نتيجةً للخوف من القوة. فالقوة قد تفرض على الآخرين أن يعترفوا بأنك موجود، لكنها لا تستطيع وحدها أن تجعلهم يريدون وجودك إلى جانبهم... وهنا تكمن مفارقة الاعتراف بالقوة: أن تنجح في فرض الحضور، من دون أن تنجح بالضرورة في كسب القبول.

تعليقات

أراء وأقوال

اشترك في النشرة البريدية لمجلة إيران بوست

بالتسجيل في هذا البريد الإلكتروني، أنتم توافقون على شروط استخدام الموقع. يمكنكم مغادرة قائمة المراسلات في أي وقت