تجربة الشعب العربي الأحوازي مع الدولة الفارسية، بمختلف أنظمتها السياسية، كانت وما زالت مريرة بكل المعايير.
فمنذ الاحتلال العسكري للأحواز، مارس رضا خان البهلوي أبشع الجرائم بحق الأحوازيين، من قتل وتنكيـل وتهجير قسري، حتى إن بعض الأحوازيين هُجّروا سيرًا على الأقدام إلى طهران لمسافة تُقدّر بأكثر من ألف كيلومتر، مات أكثرهم في الطريق، إلى جانب السياسات الاستيطانية.
وسار ابنه، محمد رضا بهلوي، على النهج نفسه، وأصبح التنكيل أكثر منهجية، لا سيما بعد تأسيس جهاز السافاك، الذي كان من أكثر الأجهزة فتكًا بالأحوازيين.
كما عمل النظام الملكي على عزل الأحواز عن محيطها العربي وعن العالم، وفرض سياسات تهدف إلى تغيير الثقافة العربية إلى الفارسية، وفرض اللغة الفارسية في التعليم والدوائر، وتغيير الزي العربي وفرض الزي البهلوي.
أما تجربة الأحوازيين عام 1979، فكانت المفصل الحقيقي في معرفة موقف السلطة الجديدة تجاههم؛ إذ بدأت الطغمة الحاكمة بارتكاب مجزرة كبيرة في مدينة المحمرة، راح ضحيتها أكثر من 500 شهيد، وتبع ذلك تهجير عدد من الأحوازيين إلى العراق.
كان هذا السرد الموجز ضروريًا حتى ندخل في صلب الموضوع الذي يتساءل عنه كثير من الأحوازيين: لماذا يتحمس بعضهم بشدة لإسقاط النظام الحالي في طهران، حتى يصبحوا أحيانًا أكثر حماسًا من بعض الفرس أنفسهم؟ ولماذا يتردد كثير من الفرس، وحتى المعارضة، في إسقاط النظام خوفًا من تفكك الدولة الإيرانية؟
نعم، عانى الأحوازيون كثيرًا من هذا النظام، ومورست بحقهم أبشع الجرائم سياسيًا وثقافيًا وإنسانيًا واقتصاديًا. والجميع يريد التخلص من هذه العصابة الحاكمة في طهران، لكن السؤال الحقيقي هو: هل بعد سقوط النظام تتحرر الأحواز؟ وهل تحصل على الفيدرالية أو الحكم الذاتي؟
الإجابة نتركها لشعبنا الأحوازي، لكن علينا أن نتحدث عن عقلية التيارات الفارسية تجاه الأحواز، حتى نقترب من الإجابة.
ينقسم الفرس إلى تيارات سياسية وفكرية متعددة، لكنهم، على اختلاف توجهاتهم، يلتقون في مواقف أساسية تجاه العرب في الأحواز. فكثير منهم ينظر إلى العرب باعتبارهم أعداء تاريخيين، ويربط ذلك بفتح العرب لبلاد فارس وسقوط إمبراطوريتهم القديمة.
أولًا: الأنظمة الحاكمة في إيران رفضت باستمرار التفاوض مع القوى الأحوازية أو الاستماع إلى مطالبها، وتعاملت معها بالسلاح والقتل والاعتقال.
بدأ ذلك منذ مقاومة الاحتلال وأسر الشيخ خزعل، واستمر مع الأحزاب والحركات الأحوازية التي تأسست في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ومنها حزب السعادة واللجنة القومية العليا لجبهة تحرير عربستان. ولم تُسمع مطالب هذه القوى، بل اعتُقل قادتها وأُعدم بعضهم.
وعام 1979، استبشر الأحوازيون بالحكم الجديد وظنوا أن مطالبهم ستجد آذانًا صاغية، فشكّلوا وفدًا ذهب إلى قم وطهران لعرض مطالبهم. لكن الوفد لم يجد ترحيبًا، وعاد خائبًا، وقبل وصوله إلى الأحواز وقعت مجزرة الأربعاء الأسود.
وفي ثمانينيات القرن الماضي، أثارت تصريحات هاشمي رفسنجاني المهينة للأحوازيين غضبًا واسعًا، لتتواصل بعدها سياسات القمع والتمييز.
أما الملكيون الفرس، وعلى رأسهم نجل محمد رضا بهلوي، فلا يعترفون أصلًا بوجود شعب عربي في الأحواز، ولا يكاد خطابهم يتطرق إلى القضية الأحوازية، فضلًا عن الاعتراف بحقوق شعبها.
أما الجمهوريون الفرس، فلا يبدو أنهم يؤمنون بحق الأحوازيين في تقرير المصير، ولا حتى بالفيدرالية، وما يحدث أحيانًا من استقطاب لأفراد أحوازيين لا يعني اعترافًا حقيقيًا بالحقوق الوطنية للأحواز.
أما الإسلاميون الذين يحكمون الآن، فقد أثبتت التجارب المتعاقبة، بما فيها عهد خاتمي، أن تغيير الأشخاص أو الشعارات لم يغيّر جوهر التعامل مع القضية الأحوازية؛ فقد استمرت الاعتقالات والإعدامات والمشاريع التي تستهدف هوية الشعب وثقافته.
أما ما يسمى بالمثقفين الفرس، فهناك نماذج كثيرة من الخطاب العنصري تجاه العرب، سواء داخل إيران أو في المهجر، وصولًا إلى إرث أدبي وفكري ما زال بعضهم يتفاخر به.
والآن نكرر السؤال: إذا سقط النظام، فهل تتحرر الأحواز؟
لنتابع مدى قدرة الأحوازيين في الداخل والمهجر على التأثير.
لا يبدو في الأفق أن للأحوازيين قوة عسكرية على الأرض تستطيع التأثير في موازين الصراع، أو أن تتحالف مع قوى كبرى كما حدث في سوريا بين قوات قسد والولايات المتحدة. فقد تحولت تلك الشراكة إلى عامل قوة لقسد، ومكّنتها من السيطرة على مناطق وموارد مهمة وتحقيق مكاسب سياسية وإدارية.
طبعًا، المقارنة بين قسد والأحواز ليست متطابقة؛ فالأحوازيون أصحاب أرض، ويعتبرون وطنهم واقعًا تحت الاحتلال. لكن المثال يوضح أهمية امتلاك قوة حقيقية على الأرض عندما تبدأ مرحلة إعادة تشكيل الأنظمة والحدود وموازين القوى.
أما الأحوازيون في المهجر، فينحصر معظم عملهم في إيصال صوت شعبهم إلى العالم، والتواصل مع الدول والمؤسسات، والعمل الحقوقي والإنساني، ومحاولة بناء تحالفات مع أطراف عربية وغير عربية. لكن هذه الجهود، رغم أهميتها، لم تتحول حتى الآن إلى دعم سياسي أو قوة مؤثرة تفرض القضية الأحوازية على طاولة المصالح الدولية.
ونحن نعرف أن الدول التي لها مصالح في الخليج والشرق الأوسط، وتريد الحفاظ على نفوذها ومصالحها، تتحالف عادة مع جهات تمتلك تأثيرًا وقوة على الأرض. وهذه القوة لا توجد اليوم بالشكل الكافي داخل الأحواز، وهذا أمر يؤسفنا.
لذلك نكرر السؤال: لماذا يتحمس الأحوازيون كثيرًا لسقوط النظام إذا لم تكن لدينا قوة على الأرض نستطيع من خلالها فرض إرادتنا ومطالبنا؟
كيف نسعى إلى سقوط النظام لمجرد إسقاطه، من دون رؤية وخطة شاملة، حتى لا نفوّت الفرصة مرة أخرى كما حدث عام 1979؟
لقد تجاوزنا المئة عام، ولم نحصل على مكاسب وانتصارات حقيقية. نعم، لدينا شعب واعٍ يريد التخلص من الاحتلال، لكن يجب أن نقر بأن الشعب الأعزل لا يستطيع وحده تغيير موازين القوى.
وعلى الأحوازيين أن يفكروا مليًا ويراجعوا حساباتهم قبل فوات الأوان؛ فالفرص السياسية لا تتكرر كثيرًا، والعالم يبحث عن حلفاء قادرين على التأثير.
أما إذا لم نمتلك آليات نستطيع من خلالها التأثير وأخذ حقوقنا، فلا ينبغي أن نعوّل على التيارات الفارسية المختلفة كي تتنازل طوعًا عن الأحواز وثرواتها، أو تمنحنا حقوقنا بمجرد سقوط النظام.
إما أن نكون جادين في تحقيق أهدافنا، وألا نسمح لأحد بأن يقف في وجه تطلعاتنا، وإما ألا نكون متحمسين لإسقاط النظام لمجرد إسقاطه.
وهناك أمر آخر يجب أن نعيه: الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تنظر إلى المنطقة من منظور مختلف عن منظورنا. فهي تسعى قبل كل شيء إلى الاستقرار، والحفاظ على الحلفاء الاستراتيجيين، وضمان تدفق الطاقة، والحد من موجات الهجرة والفوضى.
ولعل تجربة الربيع العربي وما رافقها من اضطرابات وموجات هجرة ما تزال حاضرة في حسابات صانعي القرار الغربيين. لذلك، إذا حدث تغيير في إيران، فمن المحتمل أن تفضّل بعض القوى الدولية انتقالًا منظمًا للسلطة بدل انهيار شامل للدولة ودخولها في الفوضى أو الحرب الأهلية.
وقد يكون هدفها الوصول إلى نظام جديد أكثر توافقًا مع مصالحها، مع الحفاظ على مؤسسات الدولة وضمان استمرار تدفق الطاقة وحماية مصالحها الإقليمية والدولية. وسرعان ما قد تعترف الدول العربية والإسلامية والدول الكبرى بالنظام الجديد، لأن الجميع يريد الاستقرار والأمان في المنطقة. وعندها قد تصبح قضيتنا أصعب.
أيها العقلاء، علينا أن نراقب كيف تضعف الدولة الفارسية رويدًا رويدًا، وأن نفهم أن سقوط النظام ليس هدفًا قائمًا بذاته، بل يجب أن يكون وسيلة لتحقيق حقوق شعبنا.
بل أذهب إلى أبعد من ذلك: لا ينبغي أن نتمنى سقوط النظام الحالي بسرعة، إذا كان سقوطه سيأتي بنظام فارسي آخر أكثر تنظيمًا وقدرة على الحفاظ على الدولة ومصالحها، من دون أي ضمانات للأحواز.
يجب أن نستعد للمرحلة القادمة، وأن نبني قوتنا السياسية والشعبية، ونوسع تحالفاتنا، ونضع مشروعًا واضحًا لمستقبل الأحواز، حتى لا تتكرر مأساة عام 1979، فنضيف عقودًا أخرى إلى سنوات الاحتلال.
فالفرصة قد تأتي مرة واحدة، ومن لا يمتلك القوة والرؤية عندما تأتي، قد يجد نفسه خارج حسابات الجميع.