الخميس, 17 سبتمبر 2026
اخر تحديث للموقع : من الآن 4 دقائق
المشرف العام
شريف عبد الحميد
الأخبار

من سيپان إلى سجن كوباني: حين تُشعل السلطة المؤقتة أزمات الخبز والمحروقات لتدفن ملفات الدم

آراء وأقوال - د. جيهان علو* | Thu, Sep 17, 2026 6:52 AM
الزيارات: 46
تلقّوا نشرتنا اليوميّة إلى بريدكم الإلكتروني

لا يمكن فصل استشهاد المقاتل الكوردي سيپان على يد مجموعة عشائرية مرتبطة بتنظيم داعش الإرهابي، ثم احتراق سجن كوباني و استشهاد عشرة من الكورد داخله مع عدد كبير من الجرحى، عن حالة الاحتقان السياسي والاجتماعي التي انفجرت لاحقاً في مناطق واسعة من روجافا و في سوريا. فحين تُفتح أبواب الغضب الشعبي من جهة، وتُغلق ملفات الانتهاكات من جهة أخرى، يصبح السؤال الحقيقي: من المستفيد من تحويل أنظار الناس من الدم والاعتقالات والحقوق المسلوبة إلى سعر المحروقات ورغيف الخبز خصوصاً بعد الاندماج؟

سيپان... ملف لم يُغلق بالرصاص

استشهاد سيپان لم يكن مجرد حادثة أمنية تنتهي بانتهاء الاشتباك. فهو ابن قضية كوردية ما زالت تواجه أسئلة الأمن والعدالة والاعتراف، ومقتله كان يستوجب تحقيقاً واضحاً وشفافاً يحدد المسؤوليات ويكشف الجهات التي تقف وراء الجريمة المصورة أمام أعين العالم. لكن عندما لا تُقدَّم إجابات مقنعة، بل و ذرائع تحت مسمى الثأر تتحول الجريمة من واقعة محددة إلى جرح سياسي مفتوح، ويصبح الصمت الرسمي جزءاً من المشكلة لا حلاً لها إذ لم نرى المثقفين و لا رجال الدين لا المسلمين منهم ولا المسيحيين من الداخل السوري يرفضون ممارسات التنكيل بحق الشعب الكوردي لا في قضية سيپان ولا قضايا قبله إلا عدد قليل جداً و أغلبهم خارج سوريا فما الذي يدفعهم للصمت الخوف أو التملق لممارسات كهذه ؟ .

كوباني... حين يتحول السجن إلى مسرح للفاجعة

احتراق سجن كوباني وسقوط عشرة من الكورد الموجودين داخله يفتحان ملفاً أكثر خطورة، لأن القضية هنا لا تتعلق فقط بحادث داخل منشأة احتجاز، بل بحياة معتقلين كانوا تحت مسؤولية جهة أمنية يفترض أن تضمن سلامتهم. وإذا صحت الوقائع المتداولة حول العبارات المهينة التي وُجّهت علناً إلى الكورد في كوباني، ومنها التهديد بإخضاعهم وتربيتهم بالقوة، فإن الأمر يتجاوز الخلاف الأمني إلى خطاب يحمل إهانة جماعية و احقاد دفينة تهدد السلم الأهلي. فالكوردي في كوباني ليس مواطناً من درجة ثانية، وليس مطلوباً منه أن يثبت كل يوم أنه يستحق الأمن والكرامة و العيش الكريم، وأي سلطة تريد بناء دولة مستقرة عليها أن تدرك أن كرامة الكوردي ليست ملفاً تفاوضياً، ودماء المعتقلين ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه بخطاب سياسي مؤقت و غير جدي.

الانسحاب من كوباني... خفض للتصعيد أم تأجيل للانفجار؟

انسحاب الأمن العام من كوباني بعد تصاعد التوتر يمكن أن يُقرأ باعتباره خطوة لخفض التصعيد ومنع اتساع المواجهة، لكنه لا يعالج جذور الأزمة. فالتهدئة الحقيقية لا تعني فقط سحب القوات من الشوارع، وإنما تعني فتح تحقيق مستقل في الأحداث، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات و الإهمال، وكشف ملابسات وفاة المعتقلين، والتعامل مع مطالب الكورد باعتبارها مطالب مواطنين لهم حقوق، لا باعتبارها تهديداً أمنياً. فالشارع قد يهدأ مؤقتاً، لكن الذاكرة لا تنسحب من المكان.

حين يصبح رغيف الخبز ستاراً لملفات أكبر

بعد أحداث كوباني، جاء التصعيد المعيشي وارتفاع أسعار المحروقات ليضع المواطن السوري أمام معركة يومية جديدة. الغاز والخبز والوقود ليست قضايا هامشية، بل تمس حياة السوري مباشرة، ولهذا فإن أي تدهور اقتصادي واسع قادر بطبيعته على سحب اهتمام الناس من الملفات السياسية والأمنية الأكثر تعقيداً. لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول الأزمة المعيشية إلى وسيلة لإغراق الرأي العام في تفاصيل الحياة اليومية، بينما تبقى ملفات القتل والاعتقال والانتهاكات والحقوق القومية معلقة بلا إجابات. المواطن الذي يبحث عن أسطوانة غاز أو ينتظر الخبز لن يجد الوقت الكافي لمتابعة ما يحدث في السجون، وهذه ليست إدانة للمواطن، بل وصف لواقع قاسٍ يمكن أن تستفيد منه أي سلطة تريد تأجيل الملفات السياسية الثقيلة.

لماذا يُحمَّل كل شيء لإيران؟

المثير في المشهد السوري أن جزءاً من الخطاب الثقافي والسياسي سارع إلى تحميل إيران المسؤولية عن موجة الغضب والاضطراب، وكأن كل أزمة سورية لا بد أن تبدأ وتنتهي عند طهران. لا أحد يستطيع إنكار الدور الإيراني العميق في سوريا خلال السنوات الماضية فيد إيران ملطخة بدم السوريين، لكن اختزال كل ما يحدث في العامل الإيراني وحده قد يكون هروباً من قراءة ما يجري داخل سوريا نفسها. فالمشكلة ليست فقط في القوى الخارجية، بل في طريقة إدارة السلطة للملفات الداخلية، وفي كيفية التعامل مع الكورد، وفي ملف المعتقلين، وفي الانتهاكات التي تستوجب التحقيق، وفي الجنوب السوري الذي شهد تطورات عسكرية وسياسية بالغة الخطورة مع اتساع النفوذ والسيطرة الإسرائيلية في مناطق منه. ومن هنا يصبح السؤال أكثر جدية: لماذا يُطلب من السوري أن ينظر دائماً إلى الخارج بينما توجد ملفات داخلية تنتظر إجابات واضحة؟

مئة وثلاثون معتقلاً... رقم يكشف حجم الأزمة

اضطرار السلطات إلى إطلاق سراح نحو مئة وثلاثين معتقلاً من سجون طرطوس وحمص ودمشق وعفرين، في إطار خفض التوتر، يكشف أن أزمة الاحتقان لم تكن محدودة أو هامشية. وعندما يصبح الإفراج عن المعتقلين جزءاً من أدوات تهدئة الشارع، فهذا يعني أن ملف الاعتقال نفسه أصبح عاملاً سياسياً مؤثراً في الاستقرار. لكن الإفراج وحده لا يكفي. المطلوب معرفة أسباب الاعتقال، وضمان عدم تكرار الانتهاكات أو استخدام الاعتقال كأداة للضغط
، والكشف عن مصير من بقي خلف القضبان، ومحاسبة من يثبت تورطه في التعذيب أو الإهانة أو المعاملة غير الإنسانية.

الغضب الكوردي ليس تفصيلاً في المشهد السوري

ما يحدث اليوم لا يمكن فصله عن تراكم طويل من السياسات والقرارات المجحفة بحق الكورد. والغضب الكوردي في روجافا ليس صناعة إعلامية ولا مؤامرة خارجية، بل نتيجة طبيعية لشعور متراكم بأن حقوقاً أساسية يجري التعامل معها باعتبارها عبئاً سياسياً. الكورد لا يطالبون بامتياز فوق الآخرين، وإنما يريدون أن تكون المواطنة متساوية، وأن تُحترم كرامتهم، وأن تُحمى مدنهم، وأن تكون دماؤهم موضع تحقيق وعدالة، وأن يُنظر إلى هويتهم القومية باعتبارها حقهم الإلهي لا مشكلة يجب التخلص منها.

لا يمكن بناء سوريا بإدارة الأزمات

المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تصبح إدارة الغضب بديلاً عن حل أسبابه. تهدئة كوباني لا تعني إغلاق ملف كوباني، وإطلاق سراح المعتقلين لا يعني انتهاء أزمة الاعتقال، وارتفاع أسعار المحروقات لا يفسر وحده الغضب الشعبي، كما أن تحميل إيران كل شيء لا يعفي السلطة من مسؤولية قراراتها الداخلية. سوريا تحتاج إلى رجال دولة تواجه أزماتها بشجاعة، لا إلى سلطة تنقل الأزمة من ملف إلى آخر و من ضغط لضغط مختلف، إذ يحتاج الشعب إلى تحقيقات شفافة لا إلى روايات جاهزة، وإلى عدالة لا إلى تسويات مؤقتة، وإلى اعتراف بالتنوع لا إلى خطاب يضع الكورد في مواجهة شرسة مع الدولة قد يريق المزيد من الدم و يجعل الشعب الكوردي ينفجر غضباً أكثر .

الحقيقة لا تُدفن تحت رغيف الخبز

من سيپان إلى كوباني، ومن المعتقلين إلى الجنوب السوري، تتراكم الملفات التي لا يمكن إسكاتها إلى الأبد. قد ينشغل المواطن اليوم بالغاز والخبز والمحروقات، لكنه سيعود غداً ليسأل: من قتل؟ من اعتقل؟ من عذّب؟ من أحرق؟ ومن أصدر الأوامر؟ وهنا تكمن مسؤولية المثقفين والإعلاميين والباحثين السوريين: ألا يسمحوا بتحويل المأساة إلى صراع شعارات، وألا يجعلوا التدخلات الخارجية شماعة جاهزة لكل أزمة، وألا يتجاهلوا في الوقت نفسه الانتهاكات التي يتعرض لها الكورد ومعتقلوهم. سوريا لا تحتاج إلى مزيد من التشتيت، بل إلى مواجهة الحقيقة كاملة. والحقيقة تبدأ من الاعتراف بأن الدم الكوردي ليس رخيصاً وأن معتقل كوباني إنسان له حق في الحياة والكرامة، وأن الجنوب السوري ليس هامشاً، وأن الخبز والغاز والمحروقات أزمات حقيقية لا يجوز استخدامها لدفن أزمات أكبر. فأي مشروع سياسي يريد فعلاً بناء سوريا جديدة لن ينجح في إدارة الكورد بالخوف و الترهيب، ولا في إدارة السوريين بالجوع، ولا في إدارة الغضب بالتشتيت. الدولة التي تحترم نفسها هي التي تفتح ملفاتها الأكثر إيلاماً، لا التي تبحث كل يوم عن أزمة جديدة تُنسي الناس الأزمة السابقة.

 

* نائب رئيس مركز الخليج للدراسات الإيرانية

تعليقات

أراء وأقوال

اشترك في النشرة البريدية لمجلة إيران بوست

بالتسجيل في هذا البريد الإلكتروني، أنتم توافقون على شروط استخدام الموقع. يمكنكم مغادرة قائمة المراسلات في أي وقت