مع تصاعد تعقيدات الصراع الإقليمي بين إيران و(إسرائيل)، يبرز لبنان بوصفه ساحة مفتوحة لتقاطعات جيوسياسية عميقة تُهدِّد استقراره الداخلي وتضع سيادته أمام اختبارات حاسمة. فهذا الصراع لم يعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين دولتين، بل تحوّل إلى معادلة استراتيجية ممتدة تؤثر مباشرة في بنية المنطقة بأسرها، حيث تمارس طهران نفوذها في لبنان عبر حزب الله بوصفه ذراعها العسكرية الأبرز، في مقابل استمرار إسرائيل في تعزيز جاهزيتها لمواجهة هذه التهديدات. وبين هذين المسارين، يجد لبنان نفسه عالقًا بين ضغوط متعارضة، تُقيد خياراته وتحدّ من قدرته على اتخاذ قرار سيادي مستقل.
التهديدات الأهلية: لبنان على حافة الانزلاق
في هذا السياق، يتصاعد التساؤل حول ما إذا كان لبنان يقف على أعتاب حرب أهلية جديدة. ويزداد هذا الاحتمال إلحاحًا في ظل حالة الانقسام الحاد بين القوى السياسية اللبنانية، بدءًا من الخلاف حول سلاح حزب الله، وصولًا إلى التباين في المواقف من إسرائيل ومن النفوذ الإيراني في المنطقة. ويُعد حزب الله القوة العسكرية الأكثر تنظيمًا وتأثيرًا في لبنان، كما يمثل ركيزة أساسية في الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية.
ورغم تأكيد الحزب أن سلاحه يشكّل ضرورة دفاعية في مواجهة التهديدات الإسرائيلية، فإن هذا الوجود العسكري يُنظر إليه، في المقابل، كأداة نفوذ إيراني داخل الساحة اللبنانية. ويعكس هذا التناقض إشكالية جوهرية تتعلق بسيادة الدولة، وقدرتها على بسط سلطتها الكاملة على أراضيها. وفي ظل تعقيدات المشهد السياسي، يظل التساؤل قائمًا حول قدرة لبنان على احتواء هذا النفوذ أو إعادة ضبطه ضمن إطار الدولة.
المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية
شهدت السنوات الأخيرة انخراط الحكومة اللبنانية في مفاوضات مع (إسرائيل) بشأن ترسيم الحدود البحرية، في خطوة غير مسبوقة ضمن السياسة اللبنانية التقليدية. وترتبط هذه المفاوضات أساسًا بالحقوق الاقتصادية المرتبطة بالثروات الغازية في شرق المتوسط، وهو ما يُنظر إليه كمدخل محتمل لإنعاش الاقتصاد اللبناني المتدهور.
غير أن هذه العملية لا تجري في فراغ سياسي، بل في ظل تصاعد التوترات الأمنية في الجنوب. فبينما ترفض قوى، وفي مقدمتها "حزب الله"، أي شكل من أشكال التفاوض مع (إسرائيل)، معتبرةً ذلك مساسًا بالثوابت الوطنية، تدعو قوى أخرى، مثل «القوات اللبنانية»، إلى تبنّي مقاربة براغماتية توازن بين الاعتبارات السياسية والحاجة الاقتصادية الملحّة.
وهنا تبرز إشكالية مزدوجة: هل تستطيع الدولة اللبنانية المضي في هذا المسار رغم المعارضة الداخلية؟ وهل يمكن الحفاظ على توازن دقيق بين ضرورات الاقتصاد وضغوط الصراع الإقليمي؟
سلاح حزب الله... معضلة السيادة وتعقيدات الإقليم
تمثّل قضية سلاح حزب الله إحدى أبرز الإشكاليات التي تعصف بالبنية السياسية اللبنانية. فبينما يبرر الحزب احتفاظه بسلاحه في إطار «المقاومة»، تشير معطيات عديدة إلى أن هذا السلاح يتجاوز الإطار الوطني، ويرتبط بشبكة إقليمية تتقاطع مع المصالح الإيرانية، سواء في لبنان أو في ساحات أخرى مثل سوريا.
وقد أدى هذا الواقع إلى انقسام داخلي حاد؛ إذ تطالب قوى سياسية، على رأسها «القوات اللبنانية» و«الحزب التقدمي الاشتراكي»، بضرورة حصر السلاح بيد الدولة، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لاستعادة السيادة. في المقابل، يرفض "حزب الله" أي مساس بسلاحه، معتبرًا أنه عنصر أساسي في توازن الردع مع إسرائيل.
ويبقى السؤال الجوهري: هل يستطيع لبنان، في ظل هذا التعقيد، استعادة قراره السيادي الكامل، أم سيظل سلاح الحزب عاملًا حاسمًا في تحديد مسار الدولة؟
النفوذ الإيراني
يُعد الدور الإيراني في لبنان أحد أبرز العوامل المؤثرة في المشهد السياسي، حيث تنظر طهران إلى لبنان باعتباره جزءًا من منظومتها الإقليمية. ويتجلى هذا النفوذ في الدعم العسكري والسياسي والمالي لـ"حزب الله"، ما يجعل لبنان، في كثير من الأحيان، ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
في المقابل، تتصاعد داخل لبنان أصوات تنتقد هذا النفوذ، وترى أنه يُقوّض استقلال القرار الوطني، ويدفع البلاد إلى صراعات لا تخدم مصالحها. وتدعو هذه الأصوات إلى تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، وإعادة بناء الدولة على أسس سيادية مستقلة.
القوى السياسية اللبنانية... توازنات هشة ومصالح متشابكة
تعكس مواقف القوى السياسية اللبنانية حالة من التباين الحاد إزاء هذه القضايا. ففي حين تتبنى «القوات اللبنانية» موقفًا واضحًا يدعو إلى نزع سلاح "حزب الله"، يحاول «التيار الوطني الحر» الحفاظ على توازن دقيق بين الداخل اللبناني والعلاقة مع إيران، رغم التحولات التي طرأت على موقعه السياسي. أما «الحزب التقدمي الاشتراكي»، فيدعو إلى تبني خيار الحياد وتجنّب الانخراط في صراعات المحاور.
وفي هذا الإطار، تبرز مدن مثل طرابلس بوصفها بؤرًا لرفض النفوذ الإيراني، ما يضيف بُعدًا جغرافيًا إلى الانقسام السياسي، ويعكس عمق التباينات داخل المجتمع اللبناني.
يبدو لبنان اليوم عالقًا عند مفترق طرق معقّد، حيث تتداخل الضغوط الإقليمية مع الأزمات الداخلية، في مشهد يهدد بتقويض الاستقرار الهش. وتبقى الأسئلة الكبرى مفتوحة: هل يستطيع لبنان استعادة سيادته وتحييد نفسه عن صراعات المحاور؟ وهل يتمكن من تجاوز انقساماته الطائفية والسياسية لصياغة مشروع وطني جامع؟
إن مستقبل لبنان سيظل مرهونًا بقدرته على اتخاذ قرارات حاسمة تعيد بناء توازنه السياسي، وتؤسس لمرحلة جديدة تقوم على سيادة الدولة، بعيدًا عن التدخلات الخارجية وهيمنة الأجندات الإقليمية.