الثلاثاء, 20 يناير 2026
اخر تحديث للموقع : منذ يومين
المشرف العام
شريف عبد الحميد

بين الاعتراف الدستوري والعدالة الغائبة... الوجدان الكردي في اختبار المواطنة

الأخبار - جيهان علو | Sun, Jan 18, 2026 6:10 AM
الزيارات: 77
تلقّوا نشرتنا اليوميّة إلى بريدكم الإلكتروني

نصّ الدستور الذي أقرّه رئيس السلطة المؤقتة أحمد الشرع (الجولاني) على أن الكُرد جزءٌ أصيل من الشعب السوري، وأن اللغة الكردية لغة وطنية، وأن عيد نوروز عطلة رسمية لجميع السوريين.

غير أنّ هذا الاعتراف، على أهميته الرمزية والقانونية، لم يُقابل في الوجدان الكردي بطمأنينة كاملة، إذ ظلّت غصّة عميقة عالقة في الحلق، تتردّد أصداؤها في أحياء الشيخ مقصود الجريحة، وفي صرخات الأمهات في عفرين والقامشلي.

اعتراف متأخر... هل يرمم الهوية؟

من منظور إنساني بحت، لا يمكن التقليل من أهمية إنهاء عقود طويلة من الإنكار المنهجي.

فالمرسوم الذي ألغى نتائج إحصاء عام 1962 ومنح الجنسية للمكتومين والمجرّدين منها، يمثّل ردّ اعتبارٍ لآلاف العائلات التي عاشت عقودًا في وطنها بوصفها «غرباء بلا هوية».

كما أن الاعتراف باللغة الكردية لغةً وطنية يُعد إقرارًا صريحًا بأن اللسان الكردي لم يكن يومًا «تهمة»، بل أحد أوتار الهوية السورية الجامعة.

غير أنّ السؤال الجوهري يبقى: هل يكفي حبر النصوص لمحو ترسّبات العنصرية المؤسسية التي تشكّلت عبر عقود؟

التجربة الكردية التاريخية تُظهر أن الحقوق التي تُمنح بقرارات فوقية تظل هشّة، ما لم تتحول إلى ثقافة دستورية راسخة وممارسة مجتمعية محصّنة من تقلبات السلطة والأشخاص.

حلب... الجرح الذي لم يلتئم

يأتي هذا المرسوم في توقيت يثير الريبة لدى شريحة واسعة من الكرد، إذ تزامن مع عمليات إخراج مقاتلين ومدنيين كرد من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، عقب اشتباكات دامية وانتهاكات جسيمة،

وهنا يبرز تساؤل مشروع في الوعي الكردي:

هل جاء المرسوم كخطوة حقوقية مستقلة، أم كـمقابل سياسي لتجاوز صدمة ما جرى؟

إن المشاهد المروّعة التي وثّقتها العدسات من تمثيل بالجثث، وانتهاك لحرمة المدنيين، لا يمكن محوها بقرار إداري أو إعلان عطلة رسمية.

في المنطق الحقوقي، لا تُقايض الحقوق السياسية بالعدالة الجنائية، وأي تنصّل من المسؤولية عن تجاوزات الفصائل المدعومة تركيًا أو القوات التابعة للسلطة المؤقتة، سيحوّل المرسوم إلى مجرد صكّ غفران سياسي فاقد للمصداقية الأخلاقية،

المفقودون والمعتقلون... السؤال الذي لا يختفي

يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا وألمًا: أين المفقودون؟

فالمرسوم خلا من أي إشارة واضحة إلى آليات الكشف عن مصير آلاف الشباب والنساء الكرد الذين اختفوا في المعتقلات، سواء في عهد النظام السابق أو خلال الفوضى الأمنية اللاحقة.

وبالنسبة للأم الكردية، فإن حصول ابنها المفقود على الجنسية لا يحمل أي معنى، ما لم تعرف مصيره، أو مكان قبره على الأقل.

إن أي حديث عن «الحقوق» يظل ناقصًا، بل مجحفًا، ما لم يترافق مع خطوات عملية، في مقدمتها:

  • تشكيل لجنة تقصّي حقائق مستقلة للتحقيق في جرائم الحرب والانتهاكات ذات الطابع العرقي.
  • كشف سجلات المعتقلين والمفقودين، والإفراج الفوري وغير المشروط عمّن تبقّى منهم.
  • إطلاق مسار عدالة انتقالية حقيقي يضمن جبر الضرر، وعدم تكرار سياسات التعريب القسري، والتهجير، والإعدامات الميدانية، وانتهاك الحُرمات والتمثيل بالجثث.

المواطنة ليست منّة

يرى الكرد أن مرسوم أحمد الشرع (الجولاني) يشكّل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها خطوة منقوصة الروح.

فالمواطنة ليست مكرمة تُمنح، بل عقد اجتماعي يقوم على المساواة الكاملة وسيادة القانون.

وسيظل الوجدان الكردي قلقًا ما دام السلاح يُشهر في وجه هويته في بعض المناطق، وما دام المسؤولون عن أحداث حلب أحرارًا بلا مساءلة.

إن الوفاء الحقيقي لحقوق الكرد لا يتحقق بتمجيد نوروز في دمشق، بل بوقف نزيف الدم، وعودة المهجّرين إلى بيوتهم، وإغلاق ملف الاعتقال السياسي إلى الأبد.

حينها فقط، سيكتسب المرسوم شرعيته الأخلاقية، ويغدو خطوة نحو العدالة، لا غطاءً سياسيًا أو محاولة للهروب من مسؤولية جرائم الحرب.

تعليقات

أراء وأقوال

اشترك في النشرة البريدية لمجلة إيران بوست

بالتسجيل في هذا البريد الإلكتروني، أنتم توافقون على شروط استخدام الموقع. يمكنكم مغادرة قائمة المراسلات في أي وقت