الأحد, 16 أغسطس 2026
اخر تحديث للموقع : من الآن ساعة
المشرف العام
شريف عبد الحميد

جيهان علو... امرأة جعلت من القلم موقفًا ومن الكلمة قضية

آراء وأقوال - شريف عبد الحميد* | Mon, Aug 17, 2026 1:12 AM
الزيارات: 83
تلقّوا نشرتنا اليوميّة إلى بريدكم الإلكتروني

في المشهد الثقافي والسياسي الكردي المعاصر، تبرز أسماء لا تتعامل مع الكتابة بوصفها مهنة، ولا مع البحث بوصفه ترفًا أكاديميًا، وإنما تنظر إلى الكلمة باعتبارها مسؤولية، وإلى القلم باعتباره أداة دفاع عن الذاكرة والهوية والحقوق. ومن بين هذه الأصوات تبرز الباحثة الكردية الدكتورة جيهان علو، التي اختارت أن تجعل من الكتابة والبحث والترجمة مساحة مفتوحة للدفاع عن القضية الكردية، أينما كانت امتداداتها في سوريا والعراق وإيران وتركيا.

جيهان علو ليست من ذلك النوع من الكتاب الذين يكتبون ثم ينسحبون من المشهد. إنها حاضرة باستمرار، تتابع، تبحث، تقرأ، تترجم، تحلل، وتكتب. وحين ترى قضية تستحق أن تُقال تقولها. وحين ترى ظلمًا يستوجب موقفًا لا تتردد في اتخاذه.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عنها أنها لا تخشى في الحق لومة لائم.

كونها كردية منح تجربتها بعدًا خاصًا فهي تنتمي إلى بيئة عاشت تاريخيًا تعقيدات القضية الكردية داخل الدولة السورية، لكنها لم تحصر اهتمامها في حدود الجغرافيا السورية.

في كتاباتها تتسع كردستان في معناها السياسي والتاريخي والإنساني؛ من القامشلي والحسكة وعفرين إلى مهاباد وإيلام، ومن جنوب كردستان إلى شمالها، ومن ملفات الكرد في سوريا إلى قضاياهم في إيران وتركيا والعراق.

وتظهر في أعمالها موضوعات تتصل بالقمع والهوية واللغة والحقوق السياسية والانتهاكات التي تعرض لها الكرد، فضلًا عن قضايا الحركات والأحزاب الكردية والتحولات الجيوسياسية التي تؤثر في مستقبل المنطقة.

وتؤكد كتاباتها المنشورة في السنوات الأخيرة هذا الاتساع، فقد تناولت القمع الممنهج للكرد في إيران، والاعتقال والإخفاء القسري، كما كتبت عن مواقف الحركة الكردية من الصراعات الإقليمية والدولية، وعن أثر الإبادات الجماعية في تشكيل الوعي السياسي الكردي.

هناك كتاب يكتبون عندما تأتيهم المناسبة، وهناك من يصنعون لأنفسهم مناسبة للكتابة كل يوم.

وجهان مختلفان تمامًا.

وجهان من الكتابة أحدهما ينتظر الحدث، والآخر يلاحق الحدث ويستبق نتائجه.

وجهان أحدهما يرى القلم وسيلة للتعبير، والآخر يرى فيه مسؤولية.

وجهان أحدهما يخشى الاصطدام، والآخر لا يرى في الحقيقة سببًا للتراجع.

وجهان أحدهما يكتب ما يرضي الآخرين، والآخر يكتب ما يعتقد أنه يجب أن يُقال.

وجهان أحدهما يضع القلم جانبًا عندما تصبح الكلمة مكلفة، والآخر يزداد إصرارًا كلما ازدادت الحاجة إلى الكلام.

وهنا تحديدًا يمكن فهم تجربة جيهان علو.

فهي لا تكتفي بتسجيل الأحداث، بل تحاول أن تضعها في سياقها التاريخي والسياسي، وأن تسأل عن جذورها ونتائجها وما تعنيه لمستقبل الكرد والمنطقة.

من يطالع إنتاج جيهان علو يجد تنوعًا واضحًا في الموضوعات، فهي تكتب الدراسات والأبحاث والمقالات السياسية، وتتناول قضايا حقوق الإنسان والهوية والسياسة الكردية، وتشتغل كذلك على الترجمة، بما يجعل نشاطها يتجاوز حدود المقال الصحفي التقليدي.

وفي موقع مركز الخليج للدراسات الإيرانية تظهر لها أعمال بحثية وتحليلية تتناول القضية الكردية في إيران، ومنها دراسات عن أوضاع الكرد في كردستان إيران، والقمع الأمني، والاحتجاجات، وسياسات النظام الإيراني تجاه المناطق الكردية. وهذا الحضور المتعدد يكشف عن شخصية لا تتعامل مع القضية الكردية باعتبارها ملفًا سياسيًا عابرًا، بل باعتبارها قضية تاريخ وهوية وحقوق ومستقبل.

حين يصبح القلم مقاومة

ليس المقصود بالمقاومة هنا حمل السلاح أو الدخول في ميادين الصراع، وإنما مقاومة النسيان، ومقاومة التزييف، ومقاومة الرواية الأحادية التي تحاول اختزال تاريخ شعب كامل في رواية واحدة.

وهذه واحدة من أهم وظائف الباحث والكاتب.

أن يقول: لا، هناك رواية أخرى.

أن يعيد فتح الملفات التي أُغلقت.

أن يضع الأسئلة التي يخشى الآخرون طرحها.

أن يبحث في الوثيقة.

أن يستعيد الذاكرة.

أن يمنح الضحية صوتًا.

وأن يضع الأحداث أمام القارئ دون أن يسمح للضجيج السياسي بأن يطمس حقيقتها.

ومن هنا تبدو كتابات جيهان علو جزءًا من معركة أكبر من المقال نفسه، معركة على الذاكرة والوعي والحق في امتلاك الرواية.

«نحلة لا تهدأ»

ولو أردنا أن نستعير صورة أدبية لوصفها، فلن نجد أبلغ من صورة النحلة.

نحلة لا تهدأ.

تنتقل من شجرة إلى شجرة، ومن موضوع إلى موضوع، ومن ملف إلى ملف، تبحث عن الرحيق بين الأوراق والوثائق والأحداث.

ثم تعود إلينا بالعسل.

لكن عسل جيهان علو ليس عسلًا عاديًا، إنه عسل الكلمات: مقالات ودراسات وترجمات وتحليلات، بعضها هادئ في لغته، وبعضها شديد في عبارته، وبعضها يحمل نبرة احتجاج واضحة، لكنها في النهاية تنتمي إلى عالم واحد، هو عالم الكتابة من أجل قضية تؤمن بها.

وهذا ما يفسر كثافة حضورها في المشهد البحثي والإعلامي الكردي.

من مهاباد إلى إيلام... ومن الماضي إلى المستقبل

في أعمالها الأخيرة، لم تتوقف جيهان علو عند توصيف الواقع، بل اتجهت إلى قراءة جذور القضايا وامتداداتها.

ففي دراسة منشورة حديثًا بعنوان «من مهاباد إلى إيلام... القمع الممنهج للكرد في إيران بين الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري واستهداف الأطفال»، تضع القضية الكردية في إيران ضمن سياق أوسع من الانتهاكات والسياسات الأمنية. كما تناولت في أعمال أخرى العلاقة بين الحرب والهوية والموقف الكردي من التحولات الدولية.

وهنا تكمن قيمة الباحث الحقيقي، ألا يرى الحدث منفصلًا عن التاريخ، ولا الحاضر منفصلًا عن المستقبل.

امرأة لا تساوم على الكلمة

في زمن أصبحت فيه الكتابة في كثير من الأحيان صناعة للمواقف أكثر من كونها بحثًا عن الحقيقة، تبدو تجربة جيهان علو مختلفة.

هي تكتب من موقع واضح.

لا تخفي انتماءها إلى قضيتها، ولا تحاول أن تجعل كتابتها بلا ملامح.

لكن وضوح الموقف لا يعني بالضرورة غياب البحث، بل إن القيمة الحقيقية لأي كتابة سياسية تكمن في قدرتها على الجمع بين الموقف والمعرفة، وبين الانحياز للقضية والقدرة على تقديم الحجة.

وهذا ما يجعلها أقرب إلى نموذج الكاتبة المناضلة بالقلم، المرأة التي ترى أن الدفاع عن شعبها لا يكون فقط بالهتاف في الساحات، وإنما أيضًا ببناء الرواية، وحفظ الذاكرة، وتوثيق الانتهاكات، وإنتاج المعرفة.

قد تختلف الآراء حول السياسة، وقد تتباين القراءات حول الأحداث، وقد يختلف الناس حول المشاريع والتيارات والأحزاب.

لكن ثمة حقيقة يصعب تجاهلها وهي أن القضية التي لا تمتلك كتابًا يدافعون عنها، وباحثين يوثقون تاريخها، ومثقفين يحفظون ذاكرتها، معرضة لأن يكتب الآخرون تاريخها نيابة عنها.

ومن هنا تأتي أهمية حضور جيهان علو.

إنها لا تكتفي بأن تكون قارئة للحدث الكردي، بل تحاول أن تكون جزءًا من عملية إنتاج المعرفة حوله.

تكتب.. تبحث.. تترجم.. تحلل.. تجادل.

وتعود مرة أخرى إلى الكتابة.

وكأنها تقول، بالفعل لا بالشعار:

إن الصمت ليس خيارًا عندما يتعلق الأمر بقضية شعب، وإن القلم يمكن أن يكون جبهة كاملة حين يمتلك صاحبه الشجاعة والمعرفة والإصرار.

ولهذا، فإن جيهان علو ليست مجرد اسم يظهر في نهاية مقال أو تحت عنوان دراسة.

إنها صوت كردي اختار أن يجعل من الكلمة موقفًا، ومن البحث ذاكرة، ومن القلم مساحة مفتوحة للدفاع عن قضية يؤمن بها.

وربما كان أجمل وصف لها:

نحلة كردية لا تهدأ، تنتقل بين أشجار التاريخ والسياسة والذاكرة، ثم تعود إلينا كل مرة برحيق جديد... اسمه جيهان علو.

تعليقات

أراء وأقوال

اشترك في النشرة البريدية لمجلة إيران بوست

بالتسجيل في هذا البريد الإلكتروني، أنتم توافقون على شروط استخدام الموقع. يمكنكم مغادرة قائمة المراسلات في أي وقت