تلقّوا نشرتنا اليوميّة إلى بريدكم الإلكتروني
يبرز التوتر الراهن بين حكومة أحمد الشرع والمكوّن الكردي بوصفه أحد أخطر الارتدادات السياسية في مشهد ما يُعرف بـ«سوريا الجديدة». ولم تكن واقعة منع بث مقابلة الشرع على شاشة قناة «شمس» الكردية مجرّد كبوة إعلامية أو خلاف تقني حول مساحة البث، بل تجلّت كزلزال سياسي وحقوقي كشف عن تصدعات عميقة في بنية التوافقات الهشّة، وأزاح الستار عن هوّة متسعة بين منطق «المركزية الوثوقية» الذي تتبناه السلطة في دمشق، وبين تطلعات «الهوية والخصوصية» التي يدافع عنها المكوّن الكردي في سياق ترتيبات مرحلة ما بعد التغيير.
تتجذر ملامح هذه الأزمة في طبيعة الخطاب الذي وُصف بـ«التصعيدي» الصادر عن الشرع، والذي تسرّبت نبرته الاستعلائية قبل أن يُفرض طوق الحجب الكامل على المقابلة. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذا الخطاب انطوى على مقاربات قانونية مشبعة بروح الإقصاء، ترفض في جوهرها مبدأ اللامركزية البنيوية، وتتنكّر للخصوصية العسكرية والسياسية لقوات سوريا الديمقراطية (قسد). ومن منظور حقوقي رصين، لا يمكن قراءة هذه التصريحات إلا باعتبارها ارتدادًا عن المواثيق الدولية الناظمة لحقوق القوميات في تقرير مصيرها الثقافي والسياسي، ونكوصًا عن مبادئ المواطنة المتساوية. وعليه، لم يكن قرار قناة «شمس» حجب المقابلة إجراءً تقنيًا محضًا لكبح احتمالات الفتنة، بل تحوّل إلى فعل ممانعة سياسية وصرخة حقوقية في مواجهة خطاب اعتُبر «إعلانًا رمزيًا للحرب»، وتكريسًا لنهجٍ يرفض الاعتراف بوقائع الجغرافيا والتاريخ التي تكرّست على مدى العقد المنصرم.
وفي إقليم كردستان العراق، الذي يُمثّل عمقًا استراتيجيًا ووجدانًا قوميًّا لكرد سوريا، لم يقتصر التفاعل مع الأزمة على حدود الاستنكار اللفظي، بل تطوّر إلى حراك سوسيوسياسي يدعو إلى إعادة تقييم جذرية لطبيعة العلاقة مع «دمشق الجديدة». ويرى مراقبون في أربيل والسليمانية أن خطاب الشرع لا يعدو كونه إعادة إنتاج لإرث «الدولة الشمولية» في صيغة مُحدّثة، الأمر الذي يضع مسارات العدالة الانتقالية برمّتها في مهبّ الريح. وقد استمدّ هذا التوجّس من «الخديعة السياسية» زخمه من التطورات الميدانية الأخيرة في أحياء حلب، حيث قرأ الوعي الجمعي الكردي تلك التحركات العسكرية بوصفها ترجمة عملية للغة العدائية الكامنة في المقابلة الممنوعة، ما أسهم في تصاعد المطالب بضرورة استحداث ضمانات دولية ملزمة تحمي الوجود الكردي من أي نزوع مركزي قد يعيد إنتاج مآسي الماضي.
أما في فضاء الشتات، ولا سيما في برلين التي باتت منصة بارزة للضمير الحقوقي السوري، فقد اتخذت الاحتجاجات طابعًا قانونيًا دوليًا عالي التنظيم. ولم ينصبّ تركيز المحتجين على واقعة منع المقابلة بحد ذاتها، بل على «العقلية السياسية» التي أنتجت ذلك الخطاب، مع مطالبات صريحة للاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية بفرض «مشروطية حقوقية» صارمة وغير قابلة للمساومة مقابل أي اعتراف دبلوماسي بحكومة الشرع. وتمحورت الرسائل الصادرة عن هذه التحركات حول مقولة سياسية محورية مفادها أن «الاستقرار القائم على الإقصاء هو استقرار زائف»، مع تحذيرات واضحة من إخضاع الحقوق القومية لصفقات أمنية عابرة أو تسويات مرتبطة بملف اللاجئين، الأمر الذي دفع قطاعًا من النخب الحقوقية إلى الدفع باتجاه تدويل القضية الكردية باعتبارها قضية «حقوق وجودية» تتجاوز منطق البراغماتية السياسية.
وتشير مآلات هذا المشهد المتأزم إلى أن مرحلة «التفاؤل الحذر» قد انحسرت لصالح صراع إرادات طويل الأمد. فبينما يتمترس الشرع خلف رؤية قانونية مركزية جامدة تسعى إلى توحيد السلاح والمؤسسات تحت سلطة المركز، يرى الكرد أن أي عقد اجتماعي لا يتضمن اعترافًا دستوريًا بالهوية ولا يستبطن أشكالًا حقيقية من الفيدرالية أو اللامركزية السياسية هو عقد وُلد ميتًا، ولن يفضي إلا إلى إعادة إنتاج النزاع. وبهذا المعنى، غدت «المقابلة الممنوعة» على قناة «شمس» مرآة كاشفة للنيات السياسية الكامنة، ودليلًا على أن العبور نحو سوريا مستقرة يقتضي ثورة مفاهيمية عميقة في بنية الفكر السياسي السوري، تعيد تعريف الدولة بوصفها كيانًا تعدديًا جامعًا، لا ساحة لفرض الهيمنة القومية أو الإيديولوجية.