يمثّل طارق محمد عبد الله صالح إحدى أكثر الشخصيات إثارة للجدل في المشهد اليمني بعد 2017، ليس فقط بسبب صلته العائلية بالرئيس الراحل علي عبد الله صالح، بل بسبب التحوّل البنيوي في موقعه السياسي والعسكري، من الامتداد الطبيعي لإرث دولة مركزية قاتلت من أجل الوحدة، إلى فاعل مسلّح يعمل ضمن خرائط نفوذ مجزّأة، ويُتهم بدور مباشر أو غير مباشر في هندسة التفتيت الوظيفي لليمن، ولا سيما في الساحل الغربي.
هذه السلسلة لا تنطلق من مقاربة شخصية أو أخلاقية، بل من تحليل تحوّل الدور.. كيف انتقل طارق صالح من موقع "حارس الدولة" إلى موقع "قائد كيان أمر واقع"، وكيف جرى توظيفه ضمن ترتيبات إقليمية تتناقض جذريًا مع الإرث السياسي الذي مثّله عمّه، ومع فكرة الدولة الوطنية نفسها.
أولًا: علي عبد الله صالح... الدولة بوصفها عقيدة سياسية
لفهم التحوّل الذي يمثله طارق صالح، لا بد من التوقف عند مرجعيته السياسية الأصلية.. الرئيس علي عبد الله صالح.
فرغم كل الانتقادات الموجهة إلى نظامه، ظل صالح يعتبر وحدة اليمن خطًا أحمر لا يقبل المساومة. خاض حرب 1994 دفاعًا عن الوحدة، وقمع مشروع الانفصال الجنوبي بالقوة، ونجح في إعادة إنتاج دولة مركزية شديدة الصلابة، حتى وإن كانت قائمة على التوازنات القبلية والعسكرية.
كان صالح يرى في تفكيك الدولة تهديدًا وجوديًا، وكان يدرك أن اليمن - بتعقيداته القبلية والمناطقية - لا يحتمل منطق الكيانات المتعددة. هذا الفهم شكّل العقيدة السياسية للنظام الذي نشأ فيه طارق صالح، وتدرّج داخله.
ثانيًا: طارق صالح داخل الدولة... الحارس العسكري
ولد طارق محمد صالح عام 1984، ونشأ في كنف النظام، والتحق مبكرًا بالمؤسسة العسكرية، حيث تولّى قيادة الحرس الخاص للرئيس، ولم يكن مجرد ضابط عادي، بل كان جزءًا من النواة الصلبة للنظام الأمني، وواحدًا من أكثر المقربين لعلي عبد الله صالح.
في هذه المرحلة، كان طارق يمثّل الاستمرارية.. استمرارية الدولة، واستمرارية السلطة المركزية، واستمرارية مفهوم "اليمن الواحد" الذي لا يقبل القسمة، ولم يكن يُعرف عنه أي ميول انفصالية أو مشاريع تفتيتية.
ثالثًا: التحالف مع الحوثيين... البراغماتية القاتلة
مع اندلاع الحرب عام 2015، دخل النظام السابق في تحالف صادم مع ميليشيات الحوثي، في خطوة براغماتية هدفت إلى استعادة السلطة، لكنها حملت بذور الانهيار، وكان طارق صالح جزءًا من هذا التحالف، وشارك في المعارك ضد التحالف العربي.
غير أن هذا التحالف لم يكن متكافئًا، وسرعان ما تحوّل إلى صراع دموي انتهى بمقتل علي عبد الله صالح في ديسمبر/كانون الأول 2017، في واحدة من أكثر اللحظات مفصلية في التاريخ اليمني الحديث.
مقتل صالح لم يكن نهاية رجل فحسب، بل نهاية مشروع الدولة المركزية التي مثّلها، وبداية مرحلة التيه السياسي لمن تبقّى من رموزه.
رابعًا: من صنعاء إلى الساحل الغربي... إعادة التموضع
بعد مقتل عمّه، فرّ طارق صالح إلى مناطق سيطرة التحالف، وأعاد بناء نفسه عسكريًا بدعم إماراتي مباشر. هنا يبدأ التحوّل الجذري:
لم يعد طارق جزءًا من الدولة، ولا حتى من الشرعية، بل أصبح قائدًا لقوة مسلّحة مستقلة تحت مسمّى "المقاومة الوطنية - حراس الجمهورية".
تمركزت هذه القوة في الساحل الغربي (المخا، الخوخة، أجزاء من الحديدة)، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية كبرى، تطل على البحر الأحمر وتتحكم بخطوط الملاحة الدولية.
هذا التموضع لم يكن بريئًا، بل جاء ضمن إستراتيجية إقليمية تهدف إلى تفكيك اليمن إلى مناطق نفوذ وظيفية، كل منها مرتبط بداعم خارجي.
خامسًا: الساحل الغربي... الدولة المؤجلة
في الساحل الغربي، بنى طارق صالح نموذجًا لسلطة الأمر الواقع:
- قوة عسكرية منفصلة عن وزارتي الدفاع والداخلية
- إدارة محلية غير خاضعة للحكومة
- موارد مالية مستقلة
- علاقات خارجية غير معلنة
ورغم الخطاب المعلن حول "مواجهة الحوثيين"، فإن الواقع كشف عن تجميد الجبهة، وتحويل المنطقة إلى كيان شبه مغلق، لا يخضع للمساءلة الوطنية، ولا يندمج في مشروع الدولة.
هذا النموذج يشبه -وظيفيًا - نماذج التفتيت الأخرى في الجنوب والشرق، ويؤسس لمنطق: "المناطق المحررة ليست للدولة، بل للقوى التي تسيطر عليها".
سادسًا: العلاقة مع المجلس الانتقالي... تلاقٍ وظيفي
رغم الاختلاف الظاهري بين طارق صالح وعيدروس الزبيدي، فإن العلاقة بينهما شهدت تقاطعًا متزايدًا، لا سيما بعد تشكيل مجلس القيادة الرئاسي عام 2022.
كلا الطرفين:
- يمتلك قوة عسكرية مستقلة
- يحظى بدعم إماراتي
- يرفض مركزية القرار
- يعمل على تثبيت نفوذ مناطقي
البيانات المشتركة التي صدرت لاحقًا، والاصطفافات داخل المجلس، كشفت عن تلاقٍ وظيفي يخدم مشروع التفتيت، حتى وإن اختلفت الشعارات.
سابعًا: مجلس القيادة الرئاسي... شرعنة الكيانات
دخول طارق صالح إلى مجلس القيادة لم يكن اندماجًا في الدولة، بل شرعنة لواقع التفتيت، فقد أصبح لكل عضو "منطقته" و"قوته" و"داعمه"، بينما غابت الدولة كمؤسسة جامعة.
طارق صالح داخل المجلس لم يعمل على:
- توحيد القوات
- إعادة بناء الجيش
- استعادة القرار السيادي
بل ركّز على تحصين مكاسبه في الساحل الغربي، وتحويلها إلى ورقة تفاوض إقليمية.
ثامنًا: من "إرث صالح" إلى نقيضه
المفارقة الكبرى أن طارق صالح، الذي يحمل اسم عائلة ارتبطت تاريخيًا بالدولة والوحدة، أصبح اليوم نقيضًا عمليًا لذلك الإرث.
فبينما قاتل علي عبد الله صالح ضد مشاريع التقسيم، يشارك طارق - عن قصد أو عن غير قصد - في إنتاجها.
هذا التحوّل لا يمكن تفسيره فقط بالطموح الشخصي، بل بـاندماجه في بنية إقليمية ترى في اليمن الموحّد خطرًا، وفي اليمن المجزّأ فرصة.
التفتيت الناعم أخطر من الانقلاب
لا يمثّل طارق صالح مشروع انفصال صريح، لكنه يمثل ما هو أخطر، التفتيت الناعم.
تفتيت بلا شعارات بلا إعلانات بلا استفتاءات، لكن عبر:
- كيانات مسلّحة
- مناطق نفوذ
- اقتصاديات حرب
- ولاءات خارجية
إن استمرار هذا المسار لا يعني فقط إطالة أمد الحرب، بل تفكيك فكرة الدولة اليمنية نفسها، وتحويل اليمن إلى فسيفساء من السلطات المتناحرة.
وإذا كان الحوثي قد انقلب على الدولة بالسلاح، فإن نماذج مثل طارق صالح تسهم - بوعي أو بدونه - في تآكلها من الداخل، وهو الخطر الأكبر على مستقبل اليمن.
* رئيس مركز الخليج للدراسات الإيرانية