يُعدّ عيدروس قاسم عبد العزيز الزبيدي أحد أبرز الفاعلين السياسيين والعسكريين في المشهد اليمني المعاصر، ليس فقط بوصفه قائدًا للمجلس الانتقالي الجنوبي، بل باعتباره التعبير الأكثر وضوحًا عن تحوّل خطاب "المظلومية الجنوبية" من مطلب حقوقي مشروع إلى مشروع سياسي انفصالي مكتمل الأركان، تحوّل تدريجيًا إلى أداة في هندسة التفتيت الإقليمي لليمن.
فبينما انطلق الخطاب الجنوبي بعد 1994 من سردية التهميش والإقصاء، فإن مسار الزبيدي منذ 2015 كشف عن انتقال هذا الخطاب من فضاء المطالبة بالإصلاح داخل الدولة إلى فضاء تقويض الدولة نفسها وإعادة تعريف الجغرافيا والسيادة، بما يتجاوز بكثير حدود "القضية الجنوبية" كما نشأت تاريخيًا.
نسعى إلى تفكيك ظاهرة "عيدروس الزبيدي" عبر ثلاثة مستويات مترابطة:
- الجذور السياسية والعسكرية لشخصيته ومساره.
- تحول الخطاب من مظلومية إلى انفصال صريح.
- الارتباط البنيوي بالمشاريع الإقليمية لإعادة رسم اليمن.
أولًا: الخلفية السياسية والعسكرية... من الضالع إلى عدن
وُلد عيدروس الزبيدي عام 1967 في محافظة الضالع، إحدى المناطق التي شهدت تاريخيًا توترًا مركبًا بين الهويات المحلية والانتماء الوطني. التحق في شبابه بالقوات المسلحة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (اليمن الجنوبي سابقًا)، وتأثر بالثقافة العسكرية العقائدية التي سادت في الجنوب قبل الوحدة.
بعد تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990، دخل الزبيدي - كغيره من ضباط الجنوب- مرحلة إعادة التموضع داخل الدولة الجديدة، لكن حرب 1994 شكّلت نقطة الانكسار الكبرى، فالهزيمة العسكرية لمشروع الانفصال آنذاك، وما تبعها من إقصاء سياسي واقتصادي لبعض النخب الجنوبية، خلقت بيئة خصبة لخطاب المظلومية الذي سيُعاد تدويره لاحقًا بأشكال أكثر راديكالية.
ظل الزبيدي لسنوات خارج دائرة التأثير الكبرى، إلى أن جاءت لحظة 2015 مع انهيار الدولة اليمنية أمام تمدد ميليشيات الحوثي، وتدخل التحالف العربي، لتفتح المجال أمام صعود قوى محلية جديدة تحت لافتة "مكافحة الانقلاب".
ثانيًا: 2015 كنقطة انعطاف... من مقاومة الحوثي إلى بناء كيان موازٍ
في سياق الحرب ضد ميليشات الحوثي، برز الزبيدي كقائد ميداني في عدن، واستفاد من الدعم العسكري واللوجستي الذي قدمته دولة الإمارات العربية المتحدة للفصائل الجنوبية، ومع تعيينه محافظًا لعدن في ديسمبر/كانون الأول 2015، بدأ في تأسيس شبكة ولاءات عسكرية وأمنية منفصلة عن مؤسسات الدولة الشرعية.
إقالته من منصبه في أبريل/نيسان 2017 لم تكن مجرد حدث إداري، بل تحولت إلى رافعة سياسية لإعلان مشروع بديل، ففي مايو/أيار من العام نفسه، أعلن الزبيدي تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي، في خطوة مثّلت خروجًا صريحًا على الشرعية اليمنية، وتأسيسًا لكيان سياسي-عسكري موازٍ للدولة.
منذ تلك اللحظة، لم يعد المجلس الانتقالي مجرد تعبير احتجاجي، بل أصبح بنية سلطوية مكتملة:
- قوات عسكرية وأمنية مستقلة
- إدارة مالية وإعلامية
- تمثيل خارجي غير رسمي
- خطاب سياسي يتجاوز المطالب الحقوقية نحو الانفصال
ثالثًا: خطاب المظلومية... من سردية تاريخية إلى أداة تعبئة
اعتمد الزبيدي بشكل ممنهج على سردية المظلومية الجنوبية، مستحضرًا أحداث 1994، والإقصاء الوظيفي، ونهب الأراضي، وتهميش عدن، غير أن هذا الخطاب لم يُستخدم كمدخل لإصلاح الدولة أو إعادة التوازن داخلها، بل كأداة لإعادة تعريف الصراع نفسه.
في خطاباته، جرى الانتقال من: "حقوق الجنوبيين داخل اليمن"
إلى
"فشل الوحدة اليمنية"
ثم إلى
"حل الدولتين كخيار وحيد للاستقرار"
هذا التحول لم يكن عفويًا، بل مقصودًا ومدروسًا، حيث جرى توظيف المظلومية لتبرير مشروع سياسي جديد يقوم على نفي الآخر، وشيطنة الشمال بوصفه كيانًا استعماريًا، في تجاهل متعمد للتعقيدات الاجتماعية والتاريخية التي شكّلت اليمن الحديث.
رابعًا: الدعم الإقليمي... حين تتحول القضية إلى وظيفة جيوسياسية
لا يمكن فهم صعود عيدروس الزبيدي دون تحليل الدور الإماراتي في الجنوب اليمني. فالدعم الذي حصل عليه المجلس الانتقالي لم يكن سياسيًا فقط، بل شمل:
- تدريب وتسليح قوات الحزام الأمني والنخب
- تمويل مباشر
- غطاء دبلوماسي وإعلامي
- تمكين ميداني للسيطرة على الموانئ والجزر
هذا الدعم لم يكن بريئًا أو إنسانيًا، بل ارتبط بأجندة واضحة تتعلق بـ:
- السيطرة على الممرات البحرية
- تحجيم النفوذ السعودي في الجنوب
- إعادة هندسة اليمن كفضاء مجزأ يسهل التحكم به
في هذا السياق، تحوّل "الزبيدي" من قائد محلي إلى فاعل وظيفي داخل مشروع إقليمي أوسع، يخدم مصالح تتجاوز بكثير تطلعات أبناء الجنوب أنفسهم.
خامسًا: أحداث 2019... الانفصال بالسلاح
شكّلت سيطرة قوات المجلس الانتقالي على عدن في أغسطس/آب 2019 ذروة المشروع الانفصالي، فقد تم الانقلاب عسكريًا على الحكومة الشرعية، في سابقة أكدت أن خطاب الشراكة لم يكن سوى غطاء مؤقت.
أظهرت تلك الأحداث أن "الزبيدي" مستعد لاستخدام القوة ضد الدولة، وضد قوى جنوبية أخرى لا تشاركه مشروعه، ما أدى إلى:
- تفكك النسيج الجنوبي
- تعميق الانقسام الاجتماعي
- إضعاف الجبهة المناهضة للحوثيين
سادسًا: الزبيدي داخل مجلس القيادة... شرعنة التفتيت
بانضمامه إلى مجلس القيادة الرئاسي عام 2022، لم يتخلّ "الزبيدي" عن مشروعه، بل انتقل به من الهامش إلى قلب السلطة، فبدل أن يكون المجلس أداة لإنهاء الانقسام، أصبح ساحة صراع بين مشروع الدولة ومشاريع ما دون الدولة.
استمر "الزبيدي" في:
- الترويج للانفصال خارجيًا
- تعزيز البنى العسكرية التابعة له
- فرض أمر واقع في عدن وحضرموت وسقطرى
وهو ما جعل وجوده داخل المجلس عامل تعطيل لا توحيد.
من قضية عادلة إلى مشروع تفتيت
يمثل عيدروس الزبيدي نموذجًا صارخًا لكيفية تحويل قضية حقوقية مشروعة إلى مشروع تفتيتي يخدم أجندات خارجية، فبدل أن يكون الجنوب رافعة لإنقاذ اليمن، جرى استخدامه كساحة صراع إقليمي، وبدل أن تكون المظلومية مدخلًا للعدالة، أصبحت أداة لتبرير الانقسام.
إن أخطر ما في مشروع الزبيدي لا يكمن فقط في دعوته للانفصال، بل في تماهيه مع فكرة تفكيك الدولة بوصفها حلًا، وهو منطق يهدد اليمن شمالًا وجنوبًا، ويعيد إنتاج الفوضى تحت شعارات براقة.
* رئيس مركز الخليج للدراسات الإيرانية