في تاريخ الحروب تبقى بعض الجرائم شاهدة على قسوة الصراع حتى بعد صمت المدافع، ومن بين أكثر الجرائم بشاعة في اليمن المعاصر تبرز كارثة الألغام التي زرعتها ميليشيات الحوثي الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني في المدن والقرى والطرق والمزارع ومصادر المياه، لتتحول الأرض اليمنية إلى حقول موت مفتوحة تهدد حياة المدنيين لعقود طويلة.
وفي مقابل هذه المأساة الإنسانية برز مشروع «مسام» لنزع الألغام الذي أطلقته المملكة العربية السعودية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، ليشكل واحدة من أكبر وأهم المبادرات الإنسانية في تاريخ اليمن والمنطقة العربية، وليخوض معركة يومية من أجل إنقاذ الإنسان اليمني من أخطر مخلفات الحرب القذرة التي ترعاها إيرن.
ويأتي قرار تمديد المشروع للسنة التاسعة على التوالي ليؤكد أن المملكة العربية السعودية لم تنظر إلى الأزمة اليمنية من زاوية سياسية أو أمنية فحسب، بل تعاملت معها باعتبارها قضية إنسانية وأخلاقية تستوجب الوقوف إلى جانب الشعب اليمني حتى يستعيد حقه في الحياة الآمنة.
الألغام الحوثية... الوجه الأكثر وحشية لميليشيا الحوثي
عندما تزرع الألغام في الجبهات العسكرية فإنها تمثل جزءًا من أدوات الحرب، أما عندما تزرع في المدارس والمزارع وآبار المياه والطرقات والأحياء السكنية فإنها تتحول إلى جريمة ضد الإنسانية.
لقد كشفت السنوات الماضية عن حجم الكارثة التي خلفتها ميليشيات الحوثي عبر الاستخدام المكثف والعشوائي للألغام والعبوات الناسفة، ولم تفرق هذه الألغام بين طفل وامرأة أو بين مزارع وعابر سبيل بل جعلت الحياة اليومية لليمنيين مغامرة محفوفة بالموت.
ولهذا وصف الرئيس اليمني الدكتور رشاد محمد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي الألغام الحوثية بأنها ستظل واحدة من أكثر انتهاكات هذه الميليشيات الإرهابية بشاعة في التاريخ، في توصيف يعكس حجم المأساة التي يعيشها اليمنيون منذ سنوات.
المملكة العربية السعودية... شراكة إنسانية لا تعرف الحدود
منذ اندلاع الأزمة اليمنية قدمت المملكة العربية السعودية نموذجًا فريدًا في دعم الشعب اليمني سياسيًا واقتصاديًا وإنسانيًا، غير أن مشروع «مسام» يظل من أكثر المبادرات دلالة على هذا الالتزام لأنه يستهدف حماية الحياة نفسها.
تركز معظم برامج الإغاثة على توفير الغذاء والدواء والمأوى، بينما يعمل «مسام» على إزالة الخطر الذي يمنع وصول تلك المساعدات ويهدد حياة المدنيين بصورة دائمة.
ولذلك لم يكن مستغربًا أن يصف الرئيس اليمني قرار تمديد المشروع بأنه «استثمار بعيد المدى في حياة الإنسان اليمني»، وتجسيد للموقف الأخوي والإنساني النبيل للمملكة تجاه الشعب اليمني في مختلف الظروف والمراحل.
الأرقام تتحدث
خلال الفترة الممتدة من منتصف يونيو/حزيران 2018 وحتى 12 يونيو/حزيران 2026 تمكن مشروع «مسام» من تحقيق إنجازات استثنائية يصعب تجاهلها أو التقليل من أهميتها، فقد نجحت فرق المشروع في انتزاع:
567,182 لغمًا وعبوة ناسفة وذخيرة غير منفجرة.
151,554 لغمًا مضادًا للدبابات.
7,358 ألغام مضادة للأفراد.
8,464 عبوة ناسفة.
399,806 ذخائر غير منفجرة.
كما تمكنت الفرق الهندسية من تطهير أكثر من 81 مليون متر مربع من الأراضي اليمنية، وهي مساحة هائلة أعيدت إلى أصحابها بعد أن كانت مناطق محظورة يتهددها الموت في كل لحظة.
القيمة الحقيقية لهذه الأرقام لا تكمن في حجمها فحسب، بل فيما تعنيه على أرض الواقع وهي أن: آلاف الأطفال عادوا إلى مدارسهم، وآلاف المزارعين عادوا إلى حقولهم، ومئات القرى استعادت حياتها الطبيعية بعد إزالة الخطر الذي كان يحيط بها.
أسامة القصيبي... قيادة صنعت الإنجاز
وراء هذه النتائج يقف المهندس أسامة بن يوسف القصيبي، مدير عام مشروع «مسام» الذي قاد المشروع منذ انطلاقته بروح مهنية وإنسانية عالية، واضعًا نصب عينيه هدفًا واضحًا، «يمن خالٍ من الألغام».
وخلال 9 سنوات من عمر المشروع لم يقتصر العمل على إزالة الألغام فحسب، بل شمل بناء قدرات وطنية يمنية متخصصة في مجال نزع الألغام، من خلال برامج التدريب والتأهيل التي أشرف عليها خبراء سعوديون ودوليون.
ونجح «القصيبي» في تطوير المشروع ورفع عدد فرقه الميدانية إلى 42 فريقًا متخصصًا ومزودًا بأحدث الأجهزة والتقنيات المستخدمة عالميًا في الكشف عن الألغام والتعامل معها.
ولعل من أهم ما يميز قيادته إصراره على استمرار العمل رغم التحديات الهائلة، ورغم التضحيات الجسيمة التي قدمها المشروع والتي بلغت 33 شهيدًا من العاملين فيه أثناء أداء واجبهم الإنساني.
معركة من أجل المستقبل
إن إزالة الألغام ليست مجرد عملية هندسية، بل هي معركة من أجل المستقبل، فكل لغم ينتزع يعني طفلًا ينجو ومزارعًا يعود إلى أرضه وطريقًا يفتح أمام التنمية وقرية تستعيد حياتها.
ومن هنا فإن مشروع «مسام» لا يطهر الأرض فقط، بل يطهر المستقبل اليمني من إرث ثقيل زرعته ميليشيات الحوثي الإرهابية.
بعد تسع سنوات من العمل المتواصل أصبح «مسام» أكثر من مجرد مشروع إنساني لقد تحول إلى رمز للعطاء السعودي، وإلى قصة نجاح عربية في مواجهة واحدة من أخطر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.
وفي الوقت الذي ستبقى فيه الألغام الحوثية شاهدًا على جريمة استهدفت الإنسان اليمني في أمنه وحياته ولقمة عيشه، سيبقى مشروع «مسام» شاهدًا على أن هناك من اختار أن يقف في الجانب الآخر من التاريخ، جانب الحياة والإنسان والأمل.
وإذا كانت الميليشيات الإرهابية قد زرعت الموت في الأرض فإن «مسام» يزرع الحياة من جديد في كل شبر يمني ينتزع منه لغم، وفي كل أسرة تستعيد حقها في العيش بأمان وكرامة.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
* رئيس مركز الخليج للدراسات الإيرانية