في لحظة شديدة الحساسية، وفي ظل مشاريع التفكك وإعادة رسم الخرائط، جاء موقف إقليم كردستان وأحزاب روجهلات كردستان المعارضة للنظام الإيراني برفض الانخراط البري في أي مواجهة ضد إيران، رغم الطلب المباشر من دونالد ترامب، ليشكّل لحظة سياسية نادرة في تاريخ القرار الكردي المعاصر. لم يكن هذا الرفض مجرد موقف تكتيكي، بل إعلانًا صريحًا عن تحوّل عميق في الوعي السياسي الكردي: من دور «أداة في صراعات الآخرين» إلى موقع «الفاعل المشروط بمصالحه القومية».
هذا القرار لا يمكن قراءته خارج سياق تاريخ طويل من الاستغلال والتخلي، حيث دُفع الكرد مرارًا إلى خطوط المواجهة، ليُتركوا بعدها بلا غطاء سياسي ولا اعتراف دولي. لذلك، فإن اشتراط ضمانات واضحة لاستقلال كردستان قبل أي انخراط عسكري لا يعكس تصلبًا، بل يعكس نضجًا سياسيًا متأخرًا، ووعيًا بأن الدم الكردي لم يعد قابلًا للاستثمار المجاني.
من حروب الآخرين إلى حسابات الذات
على مدى عقود، استُخدمت الجغرافيا الكردية كمساحة صراع مفتوحة، وتحوّل المقاتل الكردي إلى عنصر ثابت في معادلات إقليمية لا يملك قرارها. من الحرب العراقية–الإيرانية، إلى الصراعات السورية، وصولًا إلى المواجهة مع تنظيم «داعش»، كان الكرد دائمًا في الخطوط الأمامية، لكنهم نادرًا ما كانوا على طاولة القرار.
هذا النمط خلق ما يمكن تسميته بـ«الاستنزاف التاريخي»، حيث تُستهلك القوة الكردية دون أن تُترجم إلى مكاسب سياسية دائمة. من هنا، فإن رفض الدخول في حرب جديدة دون ضمانات ليس خروجًا عن هذا المسار فحسب، بل كسره بالكامل. إنه إعلان بأن الكرد لم يعودوا مستعدين للعب دور «البديل الميداني» للقوى الكبرى، خاصة عندما تكون النتائج مفتوحة على احتمالات خطيرة، دون أي التزام دولي واضح.
شرط الاستقلال... مطلب أم معادلة ردع؟
إن طرح مسألة استقلال كردستان كشرط للمشاركة في أي حرب ليس تفصيلًا تفاوضيًا، بل هو جوهر القرار. فالكرد يدركون أن أي انخراط بري في مواجهة مع إيران سيضعهم في مواجهة مباشرة مع واحدة من أكثر القوى الإقليمية تعقيدًا، ما يعني فتح جبهات متعددة، ليس فقط عسكريًا، بل سياسيًا وأمنيًا.
في هذا السياق، يصبح الاستقلال ليس مجرد هدف تاريخي، بل «شبكة أمان» سياسية. فالدخول في حرب بهذا الحجم دون غطاء سيادي يعني تعريض الوجود الكردي لخطر وجودي، خاصة في ظل غياب ضمانات حقيقية من القوى الدولية. لذلك، فإن هذا الشرط يشكّل أيضًا أداة ردع: إما اعتراف واضح بالحقوق القومية، أو لا مشاركة في معركة لا تخدم سوى الآخرين.
حسابات واشنطن... الحاجة إلى الكرد دون الاعتراف بهم
إن طلب دونالد ترامب يعكس إدراكًا أمريكيًا لأهمية الدور الكردي في أي مواجهة برية محتملة مع إيران. فالقوات الكردية تمتلك خبرة ميدانية، وجغرافيا استراتيجية، وقدرة على التحرك في بيئات معقدة. لكن في المقابل، لم تُظهر واشنطن تاريخيًا استعدادًا حقيقيًا لتحويل هذا التعاون العسكري إلى التزام سياسي طويل الأمد.
هذا التناقض بين الحاجة العسكرية والتردد السياسي هو ما دفع الكرد إلى إعادة صياغة قواعد اللعبة. فبدلًا من قبول الدور التقليدي، اختاروا رفع سقف المطالب، مستفيدين من موقعهم الجيوسياسي. الرسالة هنا واضحة: لا يمكن الاستمرار في العلاقة القديمة، حيث تُطلب التضحيات دون مقابل سياسي واضح.
المخاطر الكامنة... ماذا لو قال الكرد «نعم»؟
لو وافق الكرد على الانخراط في الحرب دون شروط، لكانوا أمام سلسلة من المخاطر المعقّدة. أولها فتح مواجهة مباشرة مع إيران، بما يعنيه ذلك من استهداف محتمل داخل إقليم كردستان، سواء عبر أدوات عسكرية أو شبكات نفوذ داخلية. ثانيها تعريض مناطق كردستان إيران لمزيد من القمع، في ظل حساسية النظام الإيراني تجاه أي تحرك كردي.
أما الخطر الأكبر، فيكمن في سيناريو ما بعد الحرب. ففي حال انتهاء المواجهة دون تحقيق مكاسب سياسية، سيكون الكرد قد استُنزفوا مرة أخرى، لكن هذه المرة في مواجهة قوة إقليمية مباشرة، ما قد يضعف موقعهم التفاوضي بدلًا من تعزيزه. من هنا، فإن الرفض لم يكن فقط لحماية الحاضر، بل أيضًا لتفادي إعادة إنتاج الماضي.
القرار الكردي... بداية لمرحلة سياسية جديدة
ما يميز هذا الموقف ليس فقط مضمونه، بل دلالاته الأعمق، إذ يعكس تحوّلًا من السياسة الانفعالية إلى السياسة المشروطة، ومن ردود الفعل إلى بناء الاستراتيجيات. هذا التحول قد يؤسس لمرحلة جديدة في العمل السياسي الكردي، تقوم على ربط أي دور إقليمي بمكاسب واضحة ومحددة.
كما أن هذا القرار يوجّه رسالة إلى القوى الإقليمية والدولية مفادها أن الكرد لم يعودوا الحلقة الأضعف، بل طرفًا قادرًا على فرض شروطه، أو على الأقل رفض الانخراط في مشاريع لا تخدم مصالحه. في منطقة تعج بالتحالفات المؤقتة والصفقات المتغيرة، يصبح هذا النوع من المواقف عاملًا نادرًا من الثبات السياسي.
بين الواقعية والطموح... هل الاستقلال ممكن؟
رغم قوة الطرح، يبقى سؤال الاستقلال معقّدًا. فالمعادلات الدولية لا تزال مترددة في دعم أي تغيير جذري في خرائط المنطقة، كما أن التوازنات الإقليمية تجعل من هذا الهدف تحديًا طويل الأمد. لكن، حتى في ظل هذه الصعوبات، فإن طرح الاستقلال كشرط يغيّر طبيعة النقاش، ويضعه في إطار جديد، حيث لا يكون مجرد حلم مؤجل، بل ورقة سياسية تُستخدم في التفاوض.
بهذا المعنى، قد لا يكون الهدف تحقيق الاستقلال الفوري، بل فرض الاعتراف بالقضية الكردية كملف سياسي لا يمكن تجاهله. وهذا بحد ذاته يشكّل خطوة مهمة في مسار طويل.
قرار الرفض... انتصار للعقل السياسي
إن رفض إقليم كردستان وأحزاب روجهلات كردستان الانخراط في حرب ضد إيران دون ضمانات واضحة لاستقلال كردستان ليس تراجعًا، بل تقدم نوعي في التفكير السياسي. إنه انتقال من منطق «المشاركة بأي ثمن» إلى منطق «المصلحة أولًا».
في منطقة اعتادت أن ترى في الكرد قوة تُستدعى عند الحاجة وتُهمَّش عند التسويات، يشكّل هذا القرار كسرًا لهذه القاعدة، وإعلانًا بأن الدم الكردي لم يعد متاحًا للاستثمار المجاني، وأن أي دور مستقبلي سيُبنى على معادلة واضحة: لا شراكة دون اعتراف، ولا تضحية دون مقابل.
بهذا المعنى، يمكن القول إن الكرد، برفضهم هذا، لم يخرجوا من الحرب فقط، بل أعادوا تعريف موقعهم داخلها.