الأحد, 29 مارس 2026
اخر تحديث للموقع : من الآن 13 دقيقة
المشرف العام
شريف عبد الحميد

عدوان طهران… سقوط قناع «حسن الجوار» في لحظة الحقيقة

آراء وأقوال - حذامي محجوب* | Sun, Mar 29, 2026 11:42 AM
الزيارات: 56
تلقّوا نشرتنا اليوميّة إلى بريدكم الإلكتروني

لم يعد ممكنا توصيف ما أقدمت عليه إيران تجاه دول مجلس التعاون الخليجي إلا باعتباره عدوانا مباشرا وصريحا ، ينسف في لحظة واحدة كل ما راكمته المنطقة من مسارات تهدئة هشة خلال السنوات الأخيرة .

فاستهداف المملكة العربية السعودية ، ودولة الإمارات العربية المتحدة ، ومملكة البحرين ، وامتداد القصف ليطال دولة الكويت ودولة قطر ، لا يترك مجالا لأي تأويل : نحن أمام فعل هجومي مكتمل الأركان، يضع طهران في موقع المعتدي لا في خانة الردّ أو الدفاع .

الأخطر أن هذا السلوك لا يمكن عزله عن سياقه السياسي القريب ، وتحديدا الاتفاق الذي رعته الصين في بكين في اذار 2023، والذي أعاد العلاقات بين الرياض وطهران على أسس واضحة : احترام السيادة ، عدم التدخل ، والالتزام الصارم بمبادئ حسن الجوار .

ذلك الاتفاق لم يكن مجرد خطوة دبلوماسية عابرة ، بل تعهدا سياسيا وأخلاقيا بفتح صفحة جديدة في المنطقة .

وما يحدث اليوم لا يمثل فقط خرقا لهذا التعهد ، بل انهيارا فعليا لروحه وتقويضا لمصداقيته.

إن إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة نحو دول لم تنخرط في أي عمل عسكري ضد إيران ، ولم تشكّل تهديدا مباشرا لها، يكشف عن نزعة تصعيدية تتجاوز منطق الردع إلى منطق فرض الأمر الواقع .

وهو ما يطرح سؤالا جوهريا : كيف يمكن لدولة أن توقّع اتفاق تهدئة ، ثم تمضي في سلوك عسكري عدواني يناقضه بالكامل ، دون أن تتحمل كلفة ذلك سياسيا واستراتيجيا؟

وتتجلى المفارقة الأكثر إيلاما في أن حجم الضربات الموجهة نحو دول الخليج يفوق، وفق معطيات متداولة ، ما تم توجيهه نحو إسرائيل خلال الفترة ذاتها .

وهو ما يعكس اختلالا واضحا في ترتيب الأولويات ، ويغذّي انطباعا متزايدا بأن دول الخليج لم تعد مجرد ساحة جانبية ، بل تحولت إلى هدف مباشر في حد ذاته .

هذا التحول يكشف عن خلل عميق في تصور إيران لعلاقاتها مع محيطها العربي ، ويطرح تساؤلات جدية حول نواياها الاستراتيجية.

أمام هذا الواقع ، لم يعد الاكتفاء ببيانات الإدانة أو التعويل على حسن النوايا خيارا كافيا .

فخرق اتفاق بكين بهذه الطريقة يفرض إعادة تقييم شاملة لطبيعة العلاقة مع طهران مستقبلا ، ليس فقط من قبل المملكة العربية السعودية ، بل من قبل مجمل دول مجلس التعاون الخليجي .

كما يضع الفضاء العربي أمام مسؤولية صياغة موقف جماعي ينتقل من ردّ الفعل إلى بناء معادلة ردع واضحة ومتماسكة .

لقد أثبتت الوقائع أن الاستقرار لا تصنعه الاتفاقات وحدها ، بل تحميه موازين قوة تفرض احترام تلك الاتفاقات . ومن هنا، تبدو المرحلة المقبلة مفصلية، إذ تفرض على دول الخليج الارتقاء بمستوى التنسيق العسكري والأمني ، وتحصين جبهتها الداخلية ، بما يمنع تكرار مثل هذه الاعتداءات ويؤسس لتوازن إقليمي أكثر صلابة .

ما جرى ليس حادثا عابرا ، بل اختبار حقيقي لجدوى المسارات الدبلوماسية في المنطقة . فإما أن تتحول الاتفاقات إلى التزامات مُلزمة تُحترم في كل الظروف ، أو أن تفقد معناها وتتحول إلى أوراق مؤقتة ، تتبخر مع أول صاروخ ، وتنهار تحت وقع أول اختبار جدي على ارض الواقع .

*كاتبة وباحثة في الشأن الإيراني

رئيسة تحرير موقع "عرب 21"

(تونس)

 

تعليقات

أراء وأقوال

اشترك في النشرة البريدية لمجلة إيران بوست

بالتسجيل في هذا البريد الإلكتروني، أنتم توافقون على شروط استخدام الموقع. يمكنكم مغادرة قائمة المراسلات في أي وقت