تتصاعد حدة الانتهاكات الحقوقية في الأقاليم الكردية بإيران إلى مستويات مروعة من العنف البنيوي الممنهج، حيث برزت فاجعة مقتل الطفلة الكردية ميلينا أسدي كشاهد مأساوي على تقويض كل الخطوط الحمراء والقوانين الدولية التي تكفل حماية الطفولة والحق الأصيل في الحياة. إن استهداف المدنيين العزل، ولا سيما الأطفال، برصاص القوات الأمنية والحرس الثوري يمثل خرقًا جسيمًا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقية حقوق الطفل، التي تُعد الجمهورية الإسلامية الإيرانية طرفًا فيها، مما يضع المجتمع الدولي أمام استحقاق أخلاقي وقانوني عاجل للتدخل الفوري وتفعيل آليات التحقيق في هذه الجرائم التي لا تسقط بالتقادم.
تشير التقارير الميدانية الموثقة بالأدلة الدامغة، بحسب منظمة "هينغاو" لحقوق الإنسان، إلى أن الطفلة ميلينا أسدي، التي لم تتجاوز الثالثة من عمرها، وُوريت الثرى إثر تعرضها لإطلاق نار مباشر من عناصر الحرس الثوري في مدينة كرمانشاه. هذه الواقعة تسلط الضوء مجددًا على سياسة "الإطلاق العشوائي والمميت للنار" التي تتبناها القوى الأمنية في المدن الكردية بذريعة "الضرورة الأمنية". إن إدخال العمليات العسكرية داخل المربعات السكنية المكتظة بالمدنيين يعكس استهتارًا مطلقًا بالحقوق الأساسية، حيث تتحول الشوارع التي يفترض أن تكون فضاءً آمنًا للأطفال إلى ميادين قنص، مما يكرس مناخًا من الترهيب الجماعي يهدف قسريًا إلى خنق أي تطلع للحرية أو مطالبة بالحقوق القومية والمدنية المشروعة.
بالتوازي مع هذه الفاجعة الإنسانية، شهدت مدينة كرمانشاه سقوط كوكبة جديدة من الضحايا الكرد الذين واجهوا آلة القمع بصدور عارية في سياق حراك شعبي يطالب بالعدالة. وتشير التقارير الحقوقية الصادرة عن "هينغاو" وغيرها من المنظمات الدولية إلى أن القوات الحكومية لم تكتف بالرصاص الحي، بل استخدمت أسلحة حربية محرمة في فض التجمعات المدنية، مما أسفر عن إصابات بليغة وحالات تصفية جسدية متعمدة. إن استهداف النشطاء والمدنيين في كرمانشاه ليس حوادث عرضية، بل جزء أصيل من نمط هيكلي متجذر من التمييز الإثني والاضطهاد السياسي الذي يعانيه الشعب الكردي، حيث تُوظف القوة المفرطة كأداة لإسكات التعددية ومصادرة الحق في التعبير.
هؤلاء الشهداء، بمن فيهم الأطفال والنساء، يمثلون ذروة الرفض الشعبي للسياسات التي تحاول طمس الهوية الكردية واختزالها عبر القوة المسلحة والإعدامات الميدانية خارج نطاق القانون. وقد نجحت المنظمات الحقوقية في توثيق انتهاكات مركبة شملت ملاحقة المصابين واختطافهم من المراكز الصحية ومنعهم من تلقي الرعاية الطبية الطارئة، وهو ما يمثل خرقًا فاضحًا لاتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإنسانية التي تضمن سلامة الجرحى. هذه الممارسات لا تستهدف الأجساد فحسب، بل تهدف إلى رفع الكلفة الإنسانية للمطالبة بالحقوق إلى حدودها القصوى لزعزعة إرادة الأجيال القادمة.
من المنظور القانوني الدولي، تفتقر هذه التدخلات العسكرية إلى أدنى معايير المشروعية والتناسب، حيث يتم تنفيذ القتل العمد دون سابق إنذار أو مسوغ قضائي، مما يدرجها تحت طائلة "القتل خارج نطاق القضاء"، وهي جرائم قد ترتقي إلى مرتبة الجرائم ضد الإنسانية نظرًا لطابعها الشمولي والممنهج. إن تآكل آليات المحاسبة المحلية وانعدام استقلالية القضاء يمنح الجناة حصانة مطلقة، تحفزهم على استنساخ هذه المجازر. وبناءً عليه، يغدو الملف الحقوقي في المناطق الكردية ملفًا يتطلب تدخل مجلس حقوق الإنسان الأممي عبر تشكيل لجان تحقيق مستقلة وبعثات لتقصي الحقائق بصلاحيات واسعة لكشف ملابسات اغتيال الطفولة في شخص ميلينا أسدي.
دماء ميلينا وتضحيات شهداء كرمانشاه تضع النظام الحقوقي العالمي أمام مسؤولية تاريخية لا تقبل التأويل. المساواة بين القوة الغاشمة والضحايا العزل تحت ذريعة "السيادة" تمثل شرعنة للجريمة. إن صمود الشعب الكردي في مواجهة هذا الطغيان يؤكد أن القمع لن يولد إلا إصرارًا على نيل الحقوق، وأن صدى هذه الجرائم سيبقى محفورًا في ذاكرة العدالة الدولية. يبقى التوثيق المؤسساتي الرصين، الذي تقوده منظمات مثل "هينغاو"، هو الحصن الأخير لضمان عدم إفلات المسؤولين عن هذه الانتهاكات من العقاب، ولتأكيد أن حق الحياة هو قيمة مطلقة لا تقبل المقايضة.