لم يعد ممكنا توصيف ما أقدمت عليه إيران تجاه دول مجلس التعاون الخليجي إلا باعتباره عدوانا مباشرا وصريحا ، ينسف في لحظة واحدة كل ما راكمته المنطقة من مسارات تهدئة هشة خلال السنوات الأخيرة .
فاستهداف المملكة العربية السعودية ، ودولة الإمارات العربية المتحدة ، ومملكة البحرين ، وامتداد القصف ليطال دولة الكويت ودولة قطر ، لا يترك مجالا لأي تأويل : نحن أمام فعل هجومي مكتمل الأركان، يضع طهران في موقع المعتدي لا في خانة الردّ أو الدفاع .
الأخطر أن هذا السلوك لا يمكن عزله عن سياقه السياسي القريب ، وتحديدا الاتفاق الذي رعته الصين في بكين في اذار 2023، والذي أعاد العلاقات بين الرياض وطهران على أسس واضحة : احترام السيادة ، عدم التدخل ، والالتزام الصارم بمبادئ حسن الجوار .
ذلك الاتفاق لم يكن مجرد خطوة دبلوماسية عابرة ، بل تعهدا سياسيا وأخلاقيا بفتح صفحة جديدة في المنطقة .
وما يحدث اليوم لا يمثل فقط خرقا لهذا التعهد ، بل انهيارا فعليا لروحه وتقويضا لمصداقيته.
إن إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة نحو دول لم تنخرط في أي عمل عسكري ضد إيران ، ولم تشكّل تهديدا مباشرا لها، يكشف عن نزعة تصعيدية تتجاوز منطق الردع إلى منطق فرض الأمر الواقع .
وهو ما يطرح سؤالا جوهريا : كيف يمكن لدولة أن توقّع اتفاق تهدئة ، ثم تمضي في سلوك عسكري عدواني يناقضه بالكامل ، دون أن تتحمل كلفة ذلك سياسيا واستراتيجيا؟
وتتجلى المفارقة الأكثر إيلاما في أن حجم الضربات الموجهة نحو دول الخليج يفوق، وفق معطيات متداولة ، ما تم توجيهه نحو إسرائيل خلال الفترة ذاتها .
وهو ما يعكس اختلالا واضحا في ترتيب الأولويات ، ويغذّي انطباعا متزايدا بأن دول الخليج لم تعد مجرد ساحة جانبية ، بل تحولت إلى هدف مباشر في حد ذاته .
هذا التحول يكشف عن خلل عميق في تصور إيران لعلاقاتها مع محيطها العربي ، ويطرح تساؤلات جدية حول نواياها الاستراتيجية.
أمام هذا الواقع ، لم يعد الاكتفاء ببيانات الإدانة أو التعويل على حسن النوايا خيارا كافيا .
فخرق اتفاق بكين بهذه الطريقة يفرض إعادة تقييم شاملة لطبيعة العلاقة مع طهران مستقبلا ، ليس فقط من قبل المملكة العربية السعودية ، بل من قبل مجمل دول مجلس التعاون الخليجي .
كما يضع الفضاء العربي أمام مسؤولية صياغة موقف جماعي ينتقل من ردّ الفعل إلى بناء معادلة ردع واضحة ومتماسكة .
لقد أثبتت الوقائع أن الاستقرار لا تصنعه الاتفاقات وحدها ، بل تحميه موازين قوة تفرض احترام تلك الاتفاقات . ومن هنا، تبدو المرحلة المقبلة مفصلية، إذ تفرض على دول الخليج الارتقاء بمستوى التنسيق العسكري والأمني ، وتحصين جبهتها الداخلية ، بما يمنع تكرار مثل هذه الاعتداءات ويؤسس لتوازن إقليمي أكثر صلابة .
ما جرى ليس حادثا عابرا ، بل اختبار حقيقي لجدوى المسارات الدبلوماسية في المنطقة . فإما أن تتحول الاتفاقات إلى التزامات مُلزمة تُحترم في كل الظروف ، أو أن تفقد معناها وتتحول إلى أوراق مؤقتة ، تتبخر مع أول صاروخ ، وتنهار تحت وقع أول اختبار جدي على ارض الواقع .
*كاتبة وباحثة في الشأن الإيراني
رئيسة تحرير موقع "عرب 21"
(تونس)