الأحد, 29 مارس 2026
اخر تحديث للموقع : منذ 10 دقائق
المشرف العام
شريف عبد الحميد

حروب الممرات الاقتصادية... وإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية

في العمق - شريف عبد الحميد* | Sun, Mar 29, 2026 9:18 AM
الزيارات: 8
تلقّوا نشرتنا اليوميّة إلى بريدكم الإلكتروني

مع نهاية حقبة "الحرب الباردة" بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق، بدأت تعلو قيمة الاقتصاد بجانب القوة العسكرية كمحرك للعلاقات الدولية، خصوصًا مع ما يشهده العالم الآن من بداية تأصيل استخدام الحروب "الجيو اقتصادية" كأداة للصراع بين القوى العالمية، بشكل قد يُعيد رسم الخريطة الجيوسياسية على مستوى العالم.

وفي ضوء توالي التحولات الدولية المؤثرة في تراتُبية القوى في النظام الدولي، وعلى المحاور الإقليمية والدولية السائدة، يتفق عديد من المراقبين للديناميكيات الجديدة التي تشهدها التفاعلات الدولية، والتحول في قوة الدول ومكانتها وأنماط سياساتها الخارجية، على أن معايير قوة الدول ومكانتها وحركية سياساتها الخارجية لم تعد تُقاس بمقاييس تقليدية بحتة، كما كان الحال في الماضي.

وبرزت معايير دولية جديدة تفرض على الدول تحديات مغايرة نتيجة التحول في مفهوم وأدوات القوة بحكم التطورات الدولية، مثل موقع الدولة وميزاتها الجيو سياسية بالنسبة لخارطة المحاور والممرات التجارية واللوجستية العالمية، لا سيَّما الممرات التي تُحدث تحولًا في الحركة الاقتصادية والتجارة البحرية في العالم، والتأثيرات المحتملة في مكانة وثقل الدول من خلال تموضعها في الممرات الاستراتيجية للتجارة.

وبينما بدأت الجغرافيا السياسية العالمية تتغير مع صعود الصين خلال العقود الأخيرة، فإننا نشهد مؤخرًا ما يمكن تسميته "حروب الممرات التجارية". وتركز هذه المنافسة العالمية على مشروع الصين المسمى "مبادرة الطريق والحزام"، الذي يهدف إلى نشر المنتجات الصينية في جميع أنحاء العالم بسرعة وأمان.

حرب تجارية ضروس

"مبادرة الحزام والطريق" خطة صينية جاءت انسجامًا مع تطور العلاقات الاقتصادية البينية بين دول العالم، بعد انتهاء الحرب الباردة، وظهور الشركات متعددة الجنسيات، كذلك انسياب التجارة العالمية، وهي خطة تهدف إلى بناء شبكة دولية من الطرق البرية والبحرية، لا تستثني أحدًا، وذلك لتطوير البنية التحتية لربط الصين ببقية العالم وليس بأوروبا فقط عبر طريق برية وبحرية وتعزيز التجارة والاستثمار الاقتصادي.

ومنذ عام 2013، ظلّت مبادرة "الحزام والطريق" التي أطلقتها بكين تُمثّل في نظر الكثير من دول الجنوب، أملًا جديدًا يستهدف محاولة تغيير نمطيّة النظام الدولي الحالي، أو على الأقل إحداث خروقات في شقّه الاقتصادي، من نظام تُهيمن عليه الولايات المتحدة إلى نظام متعدّد الأقطاب.

لذلك، أعلن الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن في 2023 خلال قمة "مجموعة العشرين" في العاصمة الهندية نيودلهي، عن مشروع إنشاء الممرّ الاقتصادي الجديد، الذي يربط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، والذي يضمّ إلى جانب دول الاتحاد الأوروبي، مجموعة من الدول العربية من بينها الإمارات والسعودية والأردن، إلى جانب (إسرائيل)، ضمن مبادرة أُطلق عليها حينها اسم "الشراكة من أجل الاستثمار في البنية التحتية العالمية".

يبدأ مسار الممر الاقتصادي بحريًّا من الهند، ذات الشريط الساحلي الطويل على المحيط الهندي وبحر العرب، وتحديدًا من مواني مدينة مومباي، مرورًا ببحر العرب إلى ميناء دبي الإماراتي، ثم يبدأ مسار خط السكك الحديدية من منطقة "الغويفات" الإماراتية، مرورًا بالأراضي السعودية نحو جنوب الأردن، ثم إلى مدينة حيفا الساحلية في الأراضي المحتلة، ثم يعود من جديد المسار عبر البحر من حيفا بالبحر المتوسط إلى ميناء بيرايوس اليوناني، ثم يعود مجددًا المسار البري من اليونان إلى داخل أوروبا.

ويعتبر الكثير من الخبراء الاقتصاديين هذا الممرّ، خطوة أمريكية واضحة على طريق مواجهة المدّ الاقتصادي لبكين، لتظلّ واشنطن هي القوّة الاقتصادية الأكبر عالميًّا، وهو ما تجلّى تاليًا في العديد من القرارات التي اتخذها الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب مع بداية ولايته الثانية، والتي تقضي برفع الرسوم الجمركية على المنتجات الصينية، وما تبعها من ردود صينية بإجراءات مماثلة، على نحوٍ يؤشر إلى حربٍ تجارية ضروس، سوف يشتعل وطيسها خلال الفترة المقبلة، عبر اتّباع الإدارة الأمريكية لاستراتيجية توجِّه من خلالها سلسلة من الضربات للمبادرة الصينية، قد تطال أيضًا إذا ما تطلّب الأمر، الدول الأعضاء في تلك المبادرة.

سر استبعاد إيران

غير أن كثيرًا من الأطراف العالمية ترى نفسها متضررة من الممر الأمريكي، حال تنفيذه، مثل الصين وإيران وتركيا وغيرها. وهذه الدول منفردة أو مجتمعة لديها القدرة على خلق أطر تعاون بديلة، كما ستكون للمشروع انعكاسات على التحالفات السياسية القائمة، بحيث تدفع الأطراف المتضررة للبحث عن مصالحها مع قوى أخرى، وفي ظل التنافس مع المشروع الصيني فإن البدائل قد تكون متوفرة ومستعدة لتقديم امتيازات لإفشال الممر الهندي- الشرق أوسطي- الأوروبي.

ومهما حاولت أطراف المشروع حصره في إطار الحسابات الاقتصادية، فإن فصله عن الأبعاد السياسية سيكون في غاية الصعوبة، ويعد غياب الرئيسين الصيني والروسي عن اجتماعات قمة العشرين أحد مؤشرات تأثير السياقات الجيوسياسية، إذ يُعدُّ المشروع في أحد أبعاده تهديدًا غير مباشر لمصالح الصين وروسيا، كونه يتيح طرقًا جديدة تنافس الطريق الصيني، ومن شأنها تزويد أوروبا بالطاقة، مما يخصم من أهميتها الجيو- سياسية بالنسبة لروسيا، وقدرتها على توظيف البُعد الجيو- اقتصادي في تنافسها مع أوروبا، كما حدث عند بداية الحرب مع أوكرانيا، ولا يُستبعد من هذا المنطلق أن تستغل استياء الأطراف المتضررة والدخول معها في تحالفات ترمي من ورائها إلى تقويض فرص نجاح الممر المقترح.

ويكشف استبعاد إيران من الممر المقترح، أن النموذج الإيراني في الحكم القمعي خلَّف دولة غير مؤهلة للمشاركات الدولية التنموية، كون إيران أضحت دولة شديدة التأزم في الداخل وتعاني تداعيات الحصار الاقتصادي في الخارج، وسيطرة الذهنية الأمنية على قراراتها، لذلك تراجعت المكانة التنافسية لإيران بالنسبة لمشاركتها في الممرات الدولية، لأن أولويات تركيزها تتمثل في سياسات نووية وتوسعية، لا اقتصادية تنموية حضارية معاصرة لبناء المواطن والوطن، وبالتالي أصبحت إيران تفتقر إلى مؤهلات الدور المطلوب لممرات العالم الاقتصادية، ومن ثمَّ لم تحظ بإعجاب الدول الفاعلة في صناعة الممرات، وتراجعت أولويتها على عديد من المشاريع العالمية السابقة مثل ممر «الشمال- الجنوب» و«الحزام والطريق» وممر «زنغزور»، رغم موقعها الجيو-سياسي ومواردها وفرصها الاقتصادية والتجارية والاستثمارية الواعدة.

وقد يشكل الممر المقترح وغيره من الممرات مدعاةً لإيران للتركيز على الداخل وإعداد بنية تحتية ملائمة وتطوير الاقتصاد بدلًا من دعم المشاريع التوسعية التي لربما لم تكن إلا أحد أسباب تراجع أهميتها على الخريطة اللوجستية العالمية.

وبينما تشارك في المشروع الصيني 123 دولة، ما يعني أنه ينسجم مع التطور الطبيعي للاقتصاد العالمي، فإن المشروع الأمريكي لا يهدف لتعطيل المبادرة الصينية فحسب، بل لتحقيق التفوق الاقتصادي لعدة دول على حساب غيرها من الدول، خاصة أن الولايات المتحدة نفسها ليست طرفًا لا جغرافيًا ولا اقتصاديًا، فهي لا تقع لا في آسيا حيث توجد السلع، ولا في أوروبا حيث توجد القوة الشرائية، في حين أن دول الممر ستحقق دخلًا من عبور السلع عبر أراضيها.

ومهما يكن من أمر، تتزايد أهمية معيار مواقع الدول الجيوسياسية على خارطة الممرات التجارية واللوجستية العالمية، باعتبارها باتت ضمن سلة المؤشرات المهمة إلى مقاييس قوة الدول، ونجاح نموذجها في الحكم والإدارة، وامتلاكها أدوات تأثير إقليمية ودولية، وزيادة ثقلها في استراتيجيات كبار اللاعبين الدوليين، باعتبارها رقمًا مهمًّا لا يمكن تجاوزه عند رسم سياسات مستقبل الإقليم والعالم.

وفي التحليل الأخير، تبعث هذه الممرات الاقتصادية برسائل أمل للدول العربية بانتقالها من طَوْر التكيُّف مع عالم يصنعه الآخرون إلى طَوْر المشاركة، بل والمبادرة في صناعة عالم لا يمكن أن يصنعه الآخرون بمفردهم، وإنما تشارك فيه بعض الفواعل العربية والخليجية.

 

* رئيس مركز الخليج للدراسات الإيرانية

تعليقات

أراء وأقوال

اشترك في النشرة البريدية لمجلة إيران بوست

بالتسجيل في هذا البريد الإلكتروني، أنتم توافقون على شروط استخدام الموقع. يمكنكم مغادرة قائمة المراسلات في أي وقت