الجمعة, 09 يناير 2026
اخر تحديث للموقع : منذ يوم
المشرف العام
شريف عبد الحميد

مؤامرات التقسيم والتفتيت في اليمن... من الجغرافيا السياسية إلى هندسة الصراع (4/1)

في العمق - شريف عبد الحميد* | Sun, Jan 4, 2026 3:21 AM
الزيارات: 208
تلقّوا نشرتنا اليوميّة إلى بريدكم الإلكتروني

لم يكن اليمن عبر تاريخه الطويل، كيانًا هشًّا بطبيعته كما تحاول بعض السرديات الحديثة أن تُصوّره، بل كان على الدوام ساحة صراع بين مشروع الدولة الجامعة وقوى التفكيك التي غذّتها العصبيات الداخلية والتدخلات الخارجية. إن فهم ما يجري في اليمن اليوم لا يمكن فصله عن مفهوم مركزي في دراسات الصراع المعاصر، هو «تفكيك الدول من الداخل»، والذي أصبح أداة مفضلة في إدارة الأزمات الإقليمية بدل حلّها.

في هذا السياق، لا يمكن اعتبار مشاريع التقسيم في اليمن نتاجًا عرضيًا للحرب، بل هي مسار تراكمي ممنهج، له جذور تاريخية، وأطر فكرية، وأدوات تنفيذ واضحة، تشترك فيها قوى محلية ووكلاء إقليميون ضمن ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ «حروب الوكالة متعددة المستويات».

أولًا: التفتيت بوصفه أداة استعمارية كلاسيكية

تعود البدايات المؤسَّسة لتقسيم اليمن إلى القرن التاسع عشر، حين تعاملت بريطانيا مع الجنوب اليمني بوصفه موقعًا استراتيجيًا لا كيانًا وطنيًا، فبدلاً من بناء إدارة موحّدة، اعتمدت سياسة الكانتونات السياسية عبر إنشاء عشرات السلطنات والمشيخات، في تطبيق حرفي لمبدأ "فرّق تسد».

هذا النموذج لم يكن إداريًا فقط، بل هندسة سياسية مقصودة تهدف إلى:

  • منع تشكّل هوية وطنية جامعة.
  • تكريس الولاءات المحلية الضيقة.
  • خلق نخب مرتبطة بالمستعمر لا بالدولة.

وهو النموذج ذاته الذي أعادت القوى الإقليمية إنتاجه بصيغ حديثة بعد 2015.

ثانيًا: من التقسيم الكلاسيكي إلى التفتيت الوظيفي

في التحليل المعاصر، لم تعد مشاريع التقسيم تعتمد على إعلان دول جديدة مباشرة، بل على ما يُعرف بـ«التفتيت الوظيفي للدولة» أي:

  • تفريغ المركز من سلطته.
  • خلق سلطات موازية (ميليشياوية أو مناطقية).
  • تعطيل السيادة دون إلغائها رسميًا.

وهذا ما حدث في اليمن بوضوح، حيث لم يُلغَ اسم الدولة لكن:

  • السيادة قُسمت.
  • القرار السياسي تشتت.
  • الجغرافيا تحولت إلى مناطق نفوذ.

ثالثًا: الحرب بوصفها غطاءً لإعادة رسم الخريطة

منذ عام 2015 تحوّل الصراع في اليمن من حرب لاستعادة الدولة إلى حرب إدارة الفراغ، ومع الوقت أصبح لكل طرف:

  • اقتصاد حرب.
  • جهاز أمني خاص.
  • خطاب سياسي مستقل.

ما يعني عمليًا الانتقال من دولة واحدة متنازَع عليها إلى دول أمر واقع غير معلنة.

وهنا يظهر مفهوم «اليمن الكانتوني»:

  • شمال خاضع لسلطة أيديولوجية (ميليشيات الحوثي).
  • جنوب منقسم بين مشاريع انفصالية.
  • ساحل غربي بسلطة عسكرية مستقلة.
  • شرق مُدار بحسابات إقليمية وأمنية.

رابعًا: التفتيت كمدخل للسيطرة الجيوسياسية

تكمن خطورة تفكيك اليمن في موقعه الجغرافي إذ يشرف على:

  • باب المندب
  • البحر الأحمر
  • خطوط التجارة العالمية

لذلك فإن أي مشروع تقسيم لا يُقرأ داخليًا فقط، بل كجزء من إعادة هندسة الممرات الاستراتيجية، حيث تصبح الكيانات الصغيرة:

  • أضعف سياسيًا
  • أكثر قابلية للارتهان
  • أسهل في الضبط والتحكم

خامسًا: من الدولة إلى الميليشيا... انقلاب المفاهيم

أحد أخطر نتائج التفتيت هو تآكل مفهوم الدولة الوطنية لصالح:

  • شرعية السلاح.
  • شرعية الأمر الواقع.
  • شرعية الدعم الخارجي.

وهنا تتحول القوى المحلية من فاعلين وطنيين إلى:

«وكلاء نفوذ يؤدون أدوارًا تتجاوز حدود الجغرافيا التي يسيطرون عليها».

سادسًا: السعودية ووحدة اليمن... المقاربة المضادة للتفتيت

في مقابل هذه المشاريع، برزت المملكة العربية السعودية بوصفها الفاعل الإقليمي الأكثر تمسكًا بوحدة اليمن، ليس فقط بدافع أمني، بل انطلاقًا من قناعة استراتيجية مفادها:

أن يمنًا مفككًا يعني فوضى دائمة على حدود الجزيرة العربية.

لذلك ارتكز الموقف السعودي على:

  • دعم الشرعية الدولية
  • رفض التقسيم الصريح أو المقنّع
  • اعتبار أمن الحدود خطًا أحمر
  • التعامل مع اليمن كوحدة سيادية لا كملفات منفصلة

ما يجري في اليمن اليوم ليس أزمة حكم، بل أزمة كيان، ومشاريع التفتيت، سواء رُفعت تحت شعار المظلومية أو محاربة الحوثي أو حماية الجنوب، تصب في نتيجة واحدة: يمن ضعيف، مجزأ، قابل للاشتعال الدائم.

ومن هنا، تأتي هذه السلسلة لتفكيك أدوار الشخصيات المحورية في هذا المسار، بدءًا من عيدروس الزبيدي، وصولًا إلى طارق محمد صالح، بوصفهما نموذجين مختلفين لأداة واحدة زهي، إعادة إنتاج التقسيم بأدوات محلية.

* رئيس مركز الخليج للدراسات الإيرانية

ــــــــــــــــــــــــــــ

* رئيس مركز الخليج للدراسات الإيرانية

تعليقات

أراء وأقوال

اشترك في النشرة البريدية لمجلة إيران بوست

بالتسجيل في هذا البريد الإلكتروني، أنتم توافقون على شروط استخدام الموقع. يمكنكم مغادرة قائمة المراسلات في أي وقت