الجمعة, 04 إبريل 2025
اخر تحديث للموقع : منذ 4 أشهر
المشرف العام
شريف عبد الحميد

التيار الناصري وإيران .. تساؤلات تبحث عن إجابات

آراء وأقوال - أسامة الهتيمي | Fri, Jun 10, 2016 6:20 PM
تلقّوا نشرتنا اليوميّة إلى بريدكم الإلكتروني

عندما اندلعت ثورة الخميني في إيران ونجحت في تحقيق هدف الوصول لسدة الحكم عام 1979 وجدنا الحركة الإسلامية بمختلف أطيافها في أغلب البلدان العربية وقد هللت لهذه الثورة مظنة أن انتصارها نموذج لانتصار الإسلام الثوري الذي يناضل من أجل تحرير الشعوب مِن قبضة الاستبداد وإنصاف المقهورين، الأمر الذي دعا هذه الحركات إلى أن تتواصل مع قيادة ثورة الخميني وتقيم العلاقات معها في محاولة للاستفادة من تجربتها وخبرتها الحركية والتنظيمية والفكرية حتى قدمت قيادة الحركة الإسلامية الخميني للشباب المسلم باعتباره نموذجا يجب أن يحتذى وهو ما كانت تخطط له ثورة الخميني ذلك أن هذا هو السبيل الأمثل لتحقيق هدف تصديرها للبلدان المحيطة ومن ثم نشر المذهب الشيعي، وعليه فإن الخميني ورجاله لم يتوانوا ومنذ اللحظة الأولى عن إقامة جسور التواصل مع قادة الحركة الإسلامية في كل البلدان العربية وهو التواصل الذي تجاوز مع البعض حدود الحوار إلى تقديم الدعم اللازم سواء الدعم المادي أو احتضان بعض العناصر الهاربة من بلادها أو إقامة المؤتمرات وتبني بعض الشعارات وما إلى ذلك.

لكن ومع مرور الزمن بدأت تتكشف الأمور شيئا فشيئا حتى وعت الكثير من هذه الحركات الإسلامية أن هذه الثورة إنما هي خدعة كبرى وأن محركها الأساسي أهداف قومية فارسية بحتة وأن علاقة هذه الثورة بالإسلام لا تعدو عن كونه مجرد أداة وظيفية اكتسبت بها تعاطف الشعوب وتضامنها فيما كانت تستغل كل ذلك لتحقيق مآرب وأهداف خاصة.

وعلى الرغم من كل ما سبق فقد بقي ثمة مبرر لدى المحللين والمراقبين لنشأة هذه العلاقة بين الإسلاميين العرب والدولة الإيرانية ما بعد ثورة الخميني إلا أن ما بقي غامضا غير مفهوم هو تلك العلاقة الوطيدة التي كانت ولا زالت تربط بين التيار الناصري العربي وبين الدولة الإيرانية الأمر الذي يحتاج معه إلى محاولة تفهم وتفسير لمسار هذه العلاقة وأسباب استمرارها.

القومية العربية

شعور الفخر والاعتزاز بالانتماء للجنس العربي هو شعور قديم يعود لما قبل ظهور الإسلام حيث كانت القبائل العربية تتباهي بهذا الانتماء وتفخر كل قبيلة بأصالة وعراقة حسبها ونسبها وقد بدا ذلك جليا في أشعارهم وكتاباتهم ثم لما جاء الإسلام عبْر نبي عربي هو محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي – صلى الله عليه وسلم –  كان ذلك بابا جديدا لاعتزاز العرب بأنفسهم غير أن الإسلام كان صريحا وواضحا في رفض التعصب أو إقرار العنصرية حيث اعتبر معيار القرب من الله عز وجل هو التقوى وليس الجنس أو العرق.

وظلت الغلبة لهذه الروح الإسلامية الجديدة خاصة وقد توسعت الدولة الإسلامية وشملت العشرات من البلدان غير العربية التي لم يستشعر مسلموها أية تفرقة أو عنصرية ضدهم بل إن بعضهم حقق من المكانة العلمية والسياسية ما يفوق الكثير من العرب حتى كان مخطط ضرب الدولة الإسلامية من داخلها فاستغل المنافقون أجواء الحرية فعملوا على بث روح الشعوبية وتعصبوا ضد العرب لتنشأ بطبيعة الحال حركات عربية مضادة تمجّد من العرب وتعلي من عرقهم بشكل وصل من جديد إلى حد التعصب والعنصرية.

إزاء تلك الحالة شهد تاريخ الدولة الإسلامية صراعات شعوبية في العديد من المناطق لكن الروح الإسلامية المتسامحة كانت هي الغالبة فكانت حالة من التأرجح في قوة الشعوبية ارتهنت بقوة الدولة الإسلامية وضعفها.

إلا أنه ومع نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين أو عصر القوميات كما يسميه البعض تنامت روح القومية العربية حيث أصبحت القوة السياسية الأولى والمحركة للجماهير في بلاد الشام والعراق والتي يرى البعض أنها كانت ردة فعل على سياسة جمعية الاتحاد والترقي القمعية للعرب والتي عملت على تتريكهم وإلغاء وجودهم الثقافي.

يقول المفكر القومي الدكتور عصمت سيف الدولة في كتابه عن “العروبة والإسلام”: “في مطلع القرن العشرين كانت كل أقطار الوطن العربي تحت سيطرة الاحتلال الأوروبي ما عدا أقطار المشرق، فقد كانت ما تزال أجزاء منه ضمن دولة الخلافة، ولم تلبث الحركة القومية التركية (الطورانية) ممثلة في قيادتها (جمعية الاتحاد والترقي) أن ألغت فعليا دولة الخلافة من حيث هي دولة مشتركة بين أمتين العربية والتركية، وحولوها إلى دولة تركية تحكم العرب وتحاول سلب خصائصهم القومية بتتريكهم، وحيث بدأ الهجوم بدأت المقاومة، وبدأ الدفاع عن القومية العربية حيث بدأ الهجوم على القومية العربية”.

وظلت هذه الروح القومية في تصاعد حتى وصلت إلى ذروتها مع وصول جمال عبد الناصر لسدة الحكم في مصر بعد عامين من الإطاحة بالملك فاروق في  يوليو 1952م فقد رفع عبد الناصر شعارات القومية والاشتراكية ونجح بكاريزميته الخاصة وخطابه التعبوي في أن يستقطب قطاعات كبيرة من الجماهير العربية التي كانت تتوق إلى التحرر من قبضة الاستعمار الأجنبي والاستبداد الداخلي وهو ما أفرز بعد ذلك مدارس ومذاهب مختلفة للقومية اتفقت جميعها على أن القومية العربية أو العروبة في مفهومها المعاصر هي الإيمان بأن الشعب العربي شعب واحد تجمعه اللغة والثقافة والتاريخ والجغرافيا والمصالح وبأن دولة عربية واحدة ستقوم لتجمع العرب ضمن حدودها من المحيط إلى الخليج.

تناقض مثير

كما هو ظاهر من الاستعراض السابق لمفهوم القومية العربية فإنها تتعارض مع أية مشاريع قومية أخرى تحاول أن تنتزع الحق العربي أو تقلل من شأنه ومن ثم فإن الذي يرِد إلى الذهن بشكل بديهي هو أن القوميين العرب حتما ولابد أن يكونوا في حالة خلاف مع الأحلام الإيرانية الفارسية التي تحتقر العروبة جنسا وفكرا بل إن المذهب الشيعي الذي تبناه هؤلاء الفرس على حساب المذهب السني لم يكن إلا انحيازا للجنس الفارسي أيضا حيث هذه الخصوصية التي يوليها الشيعة للحسين بن علي – رضي الله عنه – دون بقية إخوته من أبناء علي – رضي الله عنه– والتي يرجعها الكثيرون إلى أن الحسين ووفق الكثير من الروايات التاريخية تزوج بامرأة فارسية هي “شهربانوية بنت يزدجرد بن شهريار بن كسرى ملك الفرس” والتي كان لقبها “شاه زنان” أي ملكة النساء وسماها الحسين “مريم” حيث تزوجها بعد أن وقعت في الأسر وأهداها له الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

لكن العكس هو ما بدا من قبل أنصار القومية العربية “نشطاء ومنظرين” فنجدهم وقد انحازوا تماما للدفاع عن إيران ومشاريعها غاضين الطرف عن الكثير من أخطاء إيران الجسيمة بحق القومية والعروبة والتي لم تكن فقط متعارضة مع الحقوق العربية بل تمثل انتزاعا لهذه الحقوق ومن ذلك مثلا الإصرار الإيراني على تسمية الخليج العربي بالخليج الفارسي واستمرار احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) وتعاطي الكثير من مسئولي الدولة الإيرانية مع البحرين باعتبارها المحافظة الثامنة والعشرين من المحافظات الإيرانية والتدخل السافر في العراق والحرب العنيفة ضد الثورة والثوار السوريين والدعم اللامحدود للمتمردين الحوثيين في اليمن وتمويل مشاريع الاختراق الشيعي في الكثير من البلدان العربية السنية كمصر والسودان والمغرب وغير ذلك مما لم يعد خافيا على أي متابع أو حتى غير متابع.

وقد كان ذلك التناقض بين ما يتبناه القوميون نظريا وبين مواقفهم العملية مثيرا للكثير من علامات الاستفهام حتى أن البعض اعتبر أن المسألة لا تعدو عن كونها واحدة من “السبابيب” – أساليب ملتوية للارتزاق المالي – ومن ثم فإنها مواقف غير مبدئية يمكن أن تتبدل بحسب الظروف والأحوال.

بين المبدأ والارتزاق

وهذا الذي ذهب إليه البعض ربما لا يحمل الكثير من التجني خاصة وأن ثمة شواهد تدلل على ذلك منها مثلا ما صرح به نائب قائد تجمع الضباط الأحرار في شئون الاستخبارات والتنسيق للجيش السوري الحر العميد حسام العواك، الذي أشار إلى فحوى تقرير تلقاه بشأن دعم إيراني موجّه لبعض الأحزاب والتيارات الناصرية والاشتراكية بالدول العربية.

وأفاد العواك أن طهران تُخصص نحو 100 مليون دولار سنوياً لدعم بعض تلك التيارات في المنطقة حيث إن الحرس الثوري الإيراني يصف الأحزاب التي تستلم الدعم الإيراني بأنها تجمع عدداً كبيراً من الشباب العربي المتحمس والمؤمن بالقومية العربية.

وأوضح العواك أن التقرير وصف قادة تلك الأحزاب بأنهم مرتزقة ويعملون لمن يدفع أكثر كما لا يرى التقرير مانعاً من شرائهم في سبيل إظهار إيران كصديق وداعم ومن ثم كسب هذا الشباب المتحمس لتشييعه ووضعه في برنامج المد الثوري.

ومنه أيضا ما كشف عنه “موقع شبكة البصرة” في أواخر عام 2005 حيث أسرت المقاومة العراقية شخصًا إيرانيًا وضع لفترة تحت المراقبة واتضح فيما بعد أنه ضابط مخابرات إيراني كبير من فيلق القدس مكلف بالتنسيق مع التنظيمات الموالية لإيران في العراق وعثرت معه على وثيقة خطيرة تكشف الخطة الإيرانية في مجال الإعلام الموجه للأقطار العربية تسلط الضوء على حجم التغلغل الإيراني في أوساط عربية مثل كُتاب وصحفيين وسياسيين محسوبين على الخط الوطني والقومي والإسلامي العربي.

ومن بين ما جاء في هذه الوثيقة: أنه ورغم أننا ضد القومية العربية العنصرية الماسونية التي تقسم المسلمين على أساس عرقي فإن الاستفادة من القوميين العرب أمر مهم جدا لأن استمالة بعضهم إلى جانبنا سوف يسبب للعفالقة والصّدّاميين إحراجا كبيرا ويمنعهم من تجميع التيارات القومية ضدنا.

وتضيف الوثيقة: إننا نسجل لحزب الله في لبنان أنه تمكن من اختراق أهم التنظيمات القومية وهو المؤتمر القومي العربي وبتوجيه مباشر منا وجعل المؤتمر من أهم منابر الدفاع عن جمهورية إيران الإسلامية والرد على هجمات الصدّاميين العنصريين علينا ومنعهم من الحصول على دعم كل القوميين العرب.

وبشكل صريح تضمنت أنه على الأخ السيد (…..) أن لا يتردد في منح المزيد من المال وأن يتحمل جشع البعض في طلباته المالية لأن المال لا قيمة له مقارنة باختراق القوى المعادية لنا وتحقيق أهدافنا الجوهرية.

وأكدت على أنه يجب على الأحزاب الصديقة لنا – تقصد إيران – في العراق التوقف عن مهاجمة كل القوى القومية والتركيز على العفالقة الصداميين فقط، والعمل على جر الناصريين إلى صفنا بكافة الطرق ومهما كلفنا ذلك من مال وجهد خصوصًا في مصر حيث أصبح التيار الناصري معنا بغالبيته الساحقة وشاهدنا بسرور دفاع بعض الناصريين في مصر عن جمهوريتنا وتصدّيهم بقوة لمحاولات إدانة مواقفنا في العراق.

مبررات واهية

مثل هذه التساؤلات وصلت إلى مسامع الناصريين وأنصار القومية فما كان منهم إلا أن قدموا تفسيرات ومبررات على هذه المواقف أقل ما يمكن وصفها بأنها غير مقنعة، ومن بينها أن علاقةً قويةً كانت تربط بين عبد الناصر والخميني خلال مرحلة الإعداد لثورة 79م، ومنها أيضا أن حزب الله الذي يمثل المقاومة العربية ضد الكيان الصهيوني تدعمه إيران بالمال والسلاح ومن ثم فهي مع الحق العربي، ومنها ما كان قد أشار إليه الكاتب والناشط الإسلامي ممدوح إسماعيل في مقال له حول هذه العلاقة حيث لفت النظر إلى أن أحد أصدقائه قد همس إليه قائلاً إن علاقة الناصريين بالشيعة سببها معاداة عبد الناصر للسعودية السّنية فهم يعملون بميراثه، وأيضًا ما يقال مِن أن زوجة عبد الناصر السيدة تحية أصولها إيرانية!! ثم ختم كلامه الهامس قائلاً: “إن هؤلاء الكُتاب يقولون: طالما أن كُتاب الحكومة يكتبون ضد إيران فنحن سنكون مع إيران”.

لكن فلنكن أكثر منطقية ولنعطِ لأنفسنا الفرصة لمناقشة المبرر المتعلق بعلاقة عبد الناصر بالثورة الخمينية إذ الحقائق التاريخية تؤكد بالفعل أنه كانت هناك علاقة وطيدة بين جمال عبد الناصر وثوار إيران فقد كشفت الكثير من الوثائق عن مدى متانة هذه العلاقة ومن ذلك ما ورد في كتاب “عبد الناصر وثورة إيران” لفتحي الديب، الضابط المصري في المخابرات والذي كان مسئولا عن هذه العلاقات.

ولقد أفصح الديب خلال كتابه عن تواصله الدائم مع رجالات الثورة الإيرانية بعد أن تم تعيينه سفيرا لمصر في سويسرا عام 1960م وهي اللقاءات التي من خلالها أدرك الديب أهمية الجبهة الوطنية الإيرانية ومقرها الرئيسي في جنيف وقدرتها على تحريك الشارع والجامعات والتنظيمات الطلابية في الخارج والتي يزيد عدد أعضائها على 18 ألف طالب يدرسون في الجامعات الأوروبية والأمريكية، ومن ثم استمرت الاتصالات بين مصر عبد الناصر والثورة الإيرانية.

غير أن هذه العلاقة وكما هو معروف كانت نتيجة لرغبة عبد الناصر في التخلص من شاه إيران الذي كان على عداء سافر مع الحركة القومية العربية المتنامية والمزدهرة حيث اعترف الشاه في مارس 1950 بـ “إسرائيل” وسمح لها بالتغلغل اقتصاديا في بلاده فيما لم يتردد في جر بلاده لسياسة الأحلاف الغربية ولعب دور الشرطي في الخليج العربي.

كما نجح رجال الجبهة وقتها في إقناع عبد الناصر والقيادة المصرية أنه في حال نجاح ثورتهم سيطبقون نظاما اشتراكيا يتماشى والإسلام المستنير وسيعارضون الأحلاف العسكرية والاحتفاظ بالتراب الإيراني “الحالي” وإهمال كل ما يثيره الشاه من مشاكل بالنسبة للإمارات العربية في الخليج واعتبار كل ما يطالب به الشاه “مثلا البحرين وغيرها” خلقا لمشاكل لا أساس ولا واقع لها.

ترتيبا على ما سبق فقد كان فقد كان منطقيا أن تستمر علاقة التيار الناصري والقومي بإيران ما بعد ثورة الخميني في حال التزمت هذه الثورة بتعهداتها، إلا أن هذا لم يحدث واقعا، فقد غدر الخميني بشركائه أولاً ومنهم الجبهة الوطنية، ثم أصبحت إيران الخميني شوكة حقيقية في بناء نهضة عربية وكانت ولا زالت عقبة كئود لأن يعيش العرب حالة من الأمن والاستقرار بعد أن كانت بمخططاتها وتدخلاتها في شئون العديد من البلدان العربية سببا لنشوب العديد من النزاعات وبابا لتدخل القوى الأجنبية لتؤول الأوضاع لما عليه الآن.

أما استناد البعض إلى مسألة حزب الله والدعم الإيراني له وكون الحزب نموذجا للمقاومة ضد الكيان الصهيوني فإن مثل هذا السند أضعف من أن يؤخذ به وقد أكدت الأحداث أن قضية المقاومة المزعومة ليست إلا وسيلة لاستمالة الشعب العربي واستعطافه وتقديم الشيعة اللبنانيين وكأنهم رموز المقاومة والترويج الإعلامي لذلك إلى حد أن تم التغطية على الكثير من السياسات الإيرانية فضلا عن سياسات حزب الله في لبنان وجنوبه والتي تتناقض تماما مع مفهوم المقاومة أو العمل على حدوث اصطفاف عربي وإسلامي لتقوية شوكة المقاومة وتحقيق انتصارات حقيقية على العدو الصهيوني.

المصدر| الراصد

تعليقات

أراء وأقوال

اشترك في النشرة البريدية لمجلة إيران بوست

بالتسجيل في هذا البريد الإلكتروني، أنتم توافقون على شروط استخدام الموقع. يمكنكم مغادرة قائمة المراسلات في أي وقت